فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 1226

وَكَذَلِكَ الثُّومُ وَوَجَدُوهَا تُفْسِدُ عَلَيْهِمْ أَيْضًا فِي اللَّبَنِ , وَالْبَيْضِ , فَإِنَّهُمَا لاَ يُمْكِنُ ادِّخَارُهُمَا , وَالرِّبَا عِنْدَهُمْ يَدْخُلُ فِيهِمَا , وَوَجَدُوهَا أَيْضًا تُفْسِدُ عَلَيْهِمْ فِي الْكَمُّونِ , وَالشُّونِيزِ , وَالْحُلْبَةِ الرَّطْبَةِ , وَالْكُزْبَرَةِ , وَالْكَرَوْيَا , لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ قُوتًا , وَالرِّبَا عِنْدَهُمْ فِي كُلِّ ذَلِكَ , فَلَمَّا رَأَوْا هَذِهِ الْعِلَّةَ كَذَلِكَ , وَهِيَ عِلَّةُ مَنْ قَلَّدُوهُ دِينَهُمْ اطَّرَحُوهَا , وَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهِمْ مُؤْنَةٌ فِي اسْتِخْرَاجِ غَيْرِهَا بِآرَائِهِمْ لِتَسْتَقِيمَ لَهُمْ آرَاؤُهُمْ فِي الْفُتْيَا عَلَيْهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْلَى الْقُوتِ , وَهُوَ الْبُرُّ , وَأَدْوَنَ الْقُوتِ , وَهُوَ الْمِلْحُ , لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ مَا بَيْنَهُمَا كَحُكْمِهِمَا.

قال أبو محمد رحمه الله: هَذَا كَذِبٌ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُجَرَّدٌ بِلاَ كُلْفَةٍ , وَمَا نَدْرِي كَيْفَ يَنْشَرِحُ صَدْرُ مُسْلِمٍ لأَِطْلاَقِ مِثْلِ هَذَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى , وَعَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وَلَوْ أَطْلَقَ هَذَا الْمُطْلِقُ مِثْلَهُ عَلَى سَائِسِ حِمَارِهِ بِغَيْرِ أَنْ يُخْبِرَهُ بِهِ ، عَنْ نَفْسِهِ لَكَانَ كَاذِبًا مُجَرَّحًا بِذَلِكَ , فَكَيْفَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى نَبِيِّهِ عليه السلام اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ عَلَى عَظِيمِ نِعْمَتِك فِي تَنْفِيرِنَا ، عَنْ مِثْلِ هَذَا وَشَبَهِهِ. ثُمَّ لَمْ يَرْضَ سَائِرُهُمْ هَذِهِ الْعِلَّةَ وَقَالُوا: لَيْسَ الْمِلْحُ دُونَ الأَقْوَاتِ , بَلْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ أَمَسُّ مِنْهَا إلَى الثُّومِ , وَالْحُلْبَةِ الرَّطْبَةِ , وَالشُّونِيزِ , فَارْتَادُوا غَيْرَهَا , كَمَنْ يَتَحَكَّمُ فِي بَيْدَرِ تَمْرِهِ , وَيَأْخُذُ مَا اُسْتُحْسِنَ وَيَتْرُكُ مَا لَمْ يُسْتَحْسَنْ. فَقَالُوا: الْعِلَّةُ فِي الرِّبَا مُخْتَلِفَةٌ , فَمِنْهَا الأَقْتِيَاتُ , وَالأَدِّخَارُ , كَمَا قَالَ أَسْلاَفُهُمْ قِيَاسًا عَلَى الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَمِنْهَا الْحَلاَوَةُ , وَالأَدِّخَارُ , كَالزَّبِيبِ وَالتِّينِ , وَالْعَسَلِ قِيَاسًا عَلَى التَّمْرِ وَمِنْهَا التَّأَدُّمُ , وَالأَدِّخَارُ قِيَاسًا عَلَى الْمِلْحِ , وَهَذَا تَعْلِيلٌ اسْتَصْنَعَهُ لَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ الأَبْهَرِيُّ , وَهَذَا تَعْلِيلٌ يُفْسِدُ عَلَيْهِمْ ; لأََنَّ السَّلْجَمَ وَالْبَاذِنْجَانَ , وَالْقَرْعَ , وَالْكُرُنْبَ , وَالرِّجْلَةَ , وَالْقِطْفَ , وَالسَّلْقَ , وَالْجَزَرَ , وَالْقُنَّبِيطَ , واليربز إدَامُ النَّاسِ فِي الأَغْلَبِ. وَكَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ يُدَّخَرُ ، وَلاَ يَقَعُ الرِّبَا فِيهِ عِنْدَهُمْ: كَاللُّفْتِ , وَالْجَزَرِ , وَالْبَاذِنْجَانِ , بَلْ كُلُّ ذَلِكَ يَجُوزُ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ , فَاطَّرَحَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الْعِلَّةَ وَلَمْ تُعْجِبْهُ لِمَا ذَكَرْنَا فَزَادَ فِيهَا بِأَنْ قَالَ: وَمِنْهَا الْحَلاَوَةُ , وَالأَدِّخَارُ مِمَّا يُتَفَكَّهُ بِهِ وَيَصْلُحُ لِلْقُوتِ فَلَمْ يَرْضَ غَيْرُهُ مِنْهُمْ هَذِهِ الْعِلَّةَ وَقَالَ: لَيْسَتْ بِشَيْءٍ ; لأََنَّ الْفُلْفُلَ , وَالثُّومَ , وَالْكَرَوْيَا , وَالْكَمُّونَ , لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا يُتَفَكَّهُ بِهِ ، وَلاَ يَصْلُحُ لِلْقُوتِ , وَلاَ يُتَأَدَّمُ بِهِ , وَلاَ هُوَ حُلْوٌ.

وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْعُنَّابَ وَالإِجَّاصَ الْمُزَبَّبَ , وَالْكُمَّثْرَى الْمُزَبَّبَ والمخيطاء كُلُّهَا يُتَفَكَّهُ بِهِ وَيَصْلُحُ لِلْقُوتِ , وَلاَ يَدْخُلُ الرِّبَا فِي شَيْءٍ مِنْهُ عِنْدَهُمْ فَاحْتَاجَ إلَى اسْتِعْمَالِ عِلَّةٍ أُخْرَى , فَقَالَ: الْعِلَّةُ هِيَ الأَقْتِيَاتُ , وَالأَدِّخَارُ , وَمَا يَصْلُحُ بِهِ الطَّعَامُ الْمُتَقَوَّتُ بِهِ لِيَصِحَّ لَهُ فِيمَا ظَنَّ إدْخَالُ: الْكَمُّونِ , وَالْكَرَوْيَا , وَالْبَصَلِ , وَالثُّومِ , وَالْكُرَّاثِ , وَالْفُلْفُلِ , وَالْخَلِّ , فِيمَا يَقَعُ فِيهِ الرِّبَا قِيَاسًا عَلَى الْمِلْحِ ; لأََنَّ الطَّعَامَ يَصْلُحُ بِكُلِّ ذَلِكَ.

قال أبو محمد رحمه الله: وَهَذِهِ أَفْسَدُ الْعِلَلِ الَّتِي ذَكَرُوا , وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا فَاسِدَةً , وَاضِحَةَ الْبُرْهَانِ ,

برهان ذَلِكَ: أَنَّ إصْلاَحَ الطَّعَامِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّوَابِلِ , وَالْخَضْرَاوَاتِ , وَالْخَلِّ , لاَ يُشْبِهُ إصْلاَحُهُ بِالْمِلْحِ أَصْلًا ; لأََنَّ الطَّعَامَ الْمَطْبُوخَ إنْ لَمْ يُؤْكَلْ أَصْلًا , وَلاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ , إِلاَّ مَنْ قَارَبَ الْمَوْتَ مِنْ الْجُوعِ أَوْ خَافَهُ ,

وَأَمَّا إصْلاَحُهُ بِالتَّابِلِ , وَالْخَضْرَاوَاتِ الْمَذْكُورَةِ فَمَا بِالطَّعَامِ إلَى شَيْءٍ مِنْهُ حَاجَةٌ إِلاَّ ، عَنْ بَذَخٍ وَأَشِرٍ.

وَأَيْضًا: فَإِنَّ كُلَّ ذِي حِسٍّ سَلِيمٍ فِي الْعَالَمِ يَدْرِي بِضَرُورَةِ الْحِسِّ أَنَّ إصْلاَحَ الطَّعَامِ بِالْكَرَوْيَا , وَالْكَمُّونِ , وَالْفُلْفُلِ , وَالْكُزْبَرِ , وَالشُّونِيزِ , كَإِصْلاَحِهِ بِالدَّارَصِينِيِّ , وَالْخُولَنْجَانِ , وَالْقِرْفَةِ , وَالسُّنْبُلِ , وَالزَّعْفَرَانِ , وَلاَ فَرْقَ , بَلْ إصْلاَحُهُ بِهَذِهِ أَطْيَبُ لَهُ وَأَعْبَقُ , وَأَصْلَحُ مِنْهُ بِتِلْكَ , وَالرِّبَا عِنْدَهُمْ لاَ يَدْخُلُ فِي هَذِهِ , وَبِلاَ شَكٍّ أَنَّ الضَّرُورَةَ فِي إصْلاَحِ الطَّعَامِ بِالْمَاءِ أَشَدُّ وَأَمَسُّ , وَالرِّبَا عِنْدَهُمْ لاَ يَدْخُلُ فِي الْمَاءِ بِالْمَاءِ وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ عِلَّةً غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا. وَهَذِهِ الْعِلَلُ كُلُّهَا ذَكَرَ بَعْضَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيُّ , وَذَكَرَ سَائِرَهَا ابْنُ الْقَصَّارِ , وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ فِي كُتُبِهِمْ مُفَرَّقَةً وَمَجْمُوعَةً.

قال أبو محمد رحمه الله: وَكُلُّهَا فَاسِدٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّخَاذُلِ , وَبِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ وَيُقَالُ لَهُمْ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ عِلَّتِكُمْ هَذِهِ وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: بَلْ عِلَّةُ الرِّبَا مَا كَانَ ذَا سُنْبُلٍ قِيَاسًا عَلَى الْبُرِّ , وَالشَّعِيرِ , وَمَا كَانَ ذَا نَوًى قِيَاسًا عَلَى التَّمْرِ , وَمَا كَانَ طَعْمُهُ مِلْحِيًّا قِيَاسًا عَلَى الْمِلْحِ , وَمَا كَانَ مَعْدِنِيًّا قِيَاسًا عَلَى الذَّهَبِ , وَالْفِضَّةِ.

فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَقُلْ بِهَذَا أَحَدٌ

قلنا: وَلاَ قَالَ بِعِلَلِكُمْ أَحَدٌ قَبْلَكُمْ.

فإن قال قائل: هَذِهِ أَيْضًا يَكُونُ مِثْلَكُمْ ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت