فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 1226

11 -أَمَّا هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَقَدْ أَجْمَلَ ابْنُ الْقَيِّمِ حِكْمَةَ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِيهَا حَيْثُ قَالَ: وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُمْ مُنِعُوا مِنْ التِّجَارَةِ فِي الْأَثْمَانِ - أَيْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ - بِجِنْسِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ عَلَيْهِمْ مَقْصُودَ الْأَثْمَانِ , وَمُنِعُوا التِّجَارَةَ فِي الْأَقْوَاتِ - أَيْ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ - بِجِنْسِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ عَلَيْهِمْ مَقْصُودَ الْأَقْوَاتِ . وَفَصَّلَ ابْنُ الْقَيِّمِ فَقَالَ: الصَّحِيحُ بَلْ الصَّوَابُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ هِيَ الثَّمَنِيَّةُ , فَإِنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ أَثْمَانُ الْمَبِيعَاتِ , وَالثَّمَنُ هُوَ الْمِعْيَارُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ تَقْوِيمُ الْأَمْوَالِ , فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَحْدُودًا مَضْبُوطًا لَا يَرْتَفِعُ وَلَا يَنْخَفِضُ , إذْ لَوْ كَانَ الثَّمَنُ يَرْتَفِعُ وَيَنْخَفِضُ كَالسِّلَعِ لَمْ يَكُنْ لَنَا ثَمَنٌ نَعْتَبِرُ بِهِ الْمَبِيعَاتِ , بَلْ الْجَمِيعُ سِلَعٌ , وَحَاجَةُ النَّاسِ إلَى ثَمَنٍ يَعْتَبِرُونَ بِهِ الْمَبِيعَاتِ حَاجَةٌ ضَرُورِيَّةٌ عَامَّةٌ , وَذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِسِعْرٍ تُعْرَفُ بِهِ الْقِيمَةُ , وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِثَمَنٍ تُقَوَّمُ بِهِ الْأَشْيَاءُ وَيَسْتَمِرُّ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ , وَلَا يُقَوَّمُ هُوَ بِغَيْرِهِ , إذْ يَصِيرُ سِلْعَةً يَرْتَفِعُ وَيَنْخَفِضُ , فَتَفْسُدُ مُعَامَلَاتُ النَّاسِ وَيَقَعُ الْخُلْفُ وَيَشْتَدُّ الضَّرَرُ . . . فَالْأَثْمَانُ لَا تُقْصَدُ لِأَعْيَانِهَا , بَلْ يُقْصَدُ التَّوَصُّلُ بِهَا إلَى السِّلَعِ , فَإِذَا صَارَتْ فِي أَنْفُسِهَا سِلَعًا تُقْصَدُ لِأَعْيَانِهَا فَسَدَ أَمْرُ النَّاسِ . وَأَضَافَ: وَأَمَّا الْأَصْنَافُ الْأَرْبَعَةُ الْمَطْعُومَةُ فَحَاجَةُ النَّاسِ إلَيْهَا أَعْظَمُ مِنْ حَاجَتِهِمْ إلَى غَيْرِهَا ; لِأَنَّهَا أَقْوَاتُ الْعَالَمِ , فَمِنْ رِعَايَةِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ أَنْ مُنِعُوا مِنْ بَيْعِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ إلَى أَجَلٍ , سَوَاءٌ اتَّحَدَ الْجِنْسُ أَوْ اخْتَلَفَ , وَمُنِعُوا مِنْ بَيْعِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ حَالًّا مُتَفَاضِلًا وَإِنْ اخْتَلَفَتْ صِفَاتُهَا , وَجُوِّزَ لَهُمْ التَّفَاضُلُ مَعَ اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهَا . فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَسِرُّ ذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ لَوْ جَوَّزَ بَيْعَ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ نَسَاءً لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدٌ إلَّا إذَا رَبِحَ , وَحِينَئِذٍ تَسْمَحُ نَفْسُهُ بِبَيْعِهَا حَالَّةً لِطَمَعِهِ فِي الرِّبْحِ , فَيَعِزُّ الطَّعَامُ عَلَى الْمُحْتَاجِ وَيَشْتَدُّ ضَرَرُهُ , . . فَكَانَ مِنْ رَحْمَةِ الشَّارِعِ بِهِمْ وَحِكْمَتِهِ أَنْ مَنَعَهُمْ مِنْ رِبَا النَّسَاءِ فِيهَا كَمَا مَنَعَهُمْ مِنْ رِبَا النَّسَاءِ فِي الْأَثْمَانِ ; إذْ لَوْ جَوَّزَ لَهُمْ النَّسَاءَ فِيهَا لَدَخَلَهَا إمَّا أَنْ تَقْضِيَ وَإِمَّا أَنْ تُرْبِيَ فَيَصِيرُ الصَّاعُ الْوَاحِدُ لَوْ أُخِذَ قُفْزَانًا كَثِيرَةً , فَفُطِمُوا عَنْ النَّسَاءِ , ثُمَّ فُطِمُوا عَنْ بَيْعِهَا مُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ , إذْ تَجُرُّهُمْ حَلَاوَةُ الرِّبْحِ وَظَفَرُ الْكَسْبِ إلَى التِّجَارَةِ فِيهَا نَسَاءً وَهُوَ عَيْنُ الْمَفْسَدَةِ , وَهَذَا بِخِلَافِ الْجِنْسَيْنِ الْمُتَبَايِنَيْنِ فَإِنَّ حَقَائِقَهُمَا وَصِفَاتِهِمَا وَمَقَاصِدَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ , فَفِي إلْزَامِهِمْ الْمُسَاوَاةَ فِي بَيْعِهَا إضْرَارٌ بِهِمْ , وَلَا يَفْعَلُونَهُ , وَفِي تَجْوِيزِ النَّسَاءِ بَيْنَهَا ذَرِيعَةٌ إلَى إمَّا أَنْ تَقْضِيَ وَإِمَّا أَنْ تُرْبِيَ فَكَانَ مِنْ تَمَامِ رِعَايَةِ مَصَالِحِهِمْ أَنْ قَصَرَهُمْ عَلَى بَيْعِهَا يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شَاءُوا , فَحَصَلَتْ لَهُمْ الْمُبَادَلَةُ , وَانْدَفَعَتْ عَنْهُمْ مَفْسَدَةُ إمَّا أَنْ تَقْضِيَ وَإِمَّا أَنْ تُرْبِيَ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا بِيعَتْ بِالدَّرَاهِمِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْمَوْزُونَاتِ نَسَاءً فَإِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ , فَلَوْ مُنِعُوا مِنْهُ لَأَضَرَّ بِهِمْ , وَلَامْتَنَعَ السَّلَمُ الَّذِي هُوَ مِنْ مَصَالِحِهِمْ فِيمَا هُمْ مُحْتَاجُونَ إلَيْهِ , وَالشَّرِيعَةُ لَا تَأْتِي بِهَذَا , وَلَيْسَ بِهِمْ حَاجَةٌ فِي بَيْعِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ نَسَاءً , وَهُوَ ذَرِيعَةٌ قَرِيبَةٌ إلَى مَفْسَدَةِ الرِّبَا , فَأُبِيحَ لَهُمْ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مَا تَدْعُو إلَيْهِ حَاجَتُهُمْ وَلَيْسَ بِذَرِيعَةٍ إلَى مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ , وَمُنِعُوا مِمَّا لَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَيَتَذَرَّعُ بِهِ غَالِبًا إلَى مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ .

أَقْسَامُ الرِّبَا:

رِبَا الْبَيْعِ ( رِبَا الْفَضْلِ ) : 12 - وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي الْأَعْيَانِ الرِّبَوِيَّةِ , وَاَلَّذِي عُنِيَ الْفُقَهَاءُ بِتَعْرِيفِهِ وَتَفْصِيلِ أَحْكَامِهِ فِي الْبُيُوعِ , وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ أَنْوَاعِهِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ نَوْعَانِ:

1 -رِبَا الْفَضْلِ . . وَعَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ فَضْلٌ خَالٍ عَنْ عِوَضٍ بِمِعْيَارٍ شَرْعِيٍّ مَشْرُوطٍ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْمُعَاوَضَةِ .

2 -رِبَا النَّسِيئَةِ . . . وَهُوَ: فَضْلُ الْحُلُولِ عَلَى الْأَجَلِ , وَفَضْلُ الْعَيْنِ عَلَى الدَّيْنِ فِي الْمَكِيلَيْنِ أَوْ الْمَوْزُونَيْنِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ , أَوْ فِي غَيْرِ الْمَكِيلَيْنِ أَوْ الْمَوْزُونَيْنِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ رِبَا الْبَيْعِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: 1 - رِبَا الْفَضْلِ . . وَهُوَ الْبَيْعُ مَعَ زِيَادَةِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ عَنْ الْآخَرِ فِي مُتَّحِدِ الْجِنْسِ .

2 -رِبَا الْيَدِ . . وَهُوَ الْبَيْعُ مَعَ تَأْخِيرِ قَبْضِ الْعِوَضَيْنِ أَوْ قَبْضِ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ أَجَلٍ .

3 -رِبَا النَّسَاءِ . . وَهُوَ الْبَيْعُ بِشَرْطِ أَجَلٍ وَلَوْ قَصِيرًا فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ . وَزَادَ الْمُتَوَلِّي مِنْ الشَّافِعِيَّةِ رِبَا الْقَرْضِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ جَرُّ نَفْعٍ , قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَيُمْكِنُ رَدُّهُ إلَى رِبَا الْفَضْلِ , وَقَالَ الرَّمْلِيُّ: إنَّهُ مِنْ رِبَا الْفَضْلِ , وَعَلَّلَ الشَّبْرامَلِّسِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إنَّمَا جُعِلَ رِبَا الْقَرْضِ مِنْ رِبَا الْفَضْلِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ - يَعْنِي الْبَيْعَ - ; لِأَنَّهُ لَمَّا شَرَطَ نَفْعًا لِلْمُقْرِضِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنَّهُ بَاعَ مَا أَقْرَضَهُ بِمَا يَزِيدُ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِهِ فَهُوَ مِنْهُ حُكْمًا .

رِبَا النَّسِيئَةِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت