8 -وَبَابُ الرِّبَا مِنْ أَشْكَلِ الْأَبْوَابِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ , وَقَدْ قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: ثَلَاثٌ وَدِدْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَهِدَ إلَيْنَا فِيهِنَّ عَهْدًا نَنْتَهِي إلَيْهِ: الْجَدُّ وَالْكَلَالَةُ وَأَبْوَابٌ مِنْ الرِّبَا , يَعْنِي - كَمَا قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ - بِذَلِكَ بَعْضَ الْمَسَائِلِ الَّتِي فِيهَا شَائِبَةُ الرِّبَا , وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمَا أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ آيَةُ الرِّبَا , وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قُبِضَ قَبْلَ أَنْ يُفَسِّرَهَا لَنَا , فَدَعُوا الرِّبَا وَالرِّيبَةَ , وَعَنْهُ رضي الله عنه قَالَ: ثَلَاثٌ لَأَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيَّنَهُنَّ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا: الْكَلَالَةُ , وَالرِّبَا , وَالْخِلَافَةُ .
حِكْمَةُ تَحْرِيمِ الرِّبَا:
9 -أَوْرَدَ الْمُفَسِّرُونَ لِتَحْرِيمِ الرِّبَا حِكَمًا تَشْرِيعِيَّةً: مِنْهَا: أَنَّ الرِّبَا يَقْتَضِي أَخْذَ مَالِ الْإِنْسَانِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ ; لِأَنَّ مَنْ يَبِيعُ الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ نَقْدًا أَوْ نَسِيئَةً تَحْصُلُ لَهُ زِيَادَةُ دِرْهَمٍ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ , وَمَالُ الْمُسْلِمِ مُتَعَلِّقُ حَاجَتِهِ , وَلَهُ حُرْمَةٌ عَظِيمَةٌ , قَالَ صلى الله عليه وسلم: { حُرْمَةُ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ } وَإِبْقَاءُ الْمَالِ فِي يَدِهِ مُدَّةً مَدِيدَةً وَتَمْكِينُهُ مِنْ أَنْ يَتَّجِرَ فِيهِ وَيَنْتَفِعَ بِهِ أَمْرٌ مَوْهُومٌ , فَقَدْ يَحْصُلُ وَقَدْ لَا يَحْصُلُ , وَأَخْذُ الدِّرْهَمِ الزَّائِدِ مُتَيَقَّنٌ , وَتَفْوِيتُ الْمُتَيَقَّنِ لِأَجْلِ الْمَوْهُومِ لَا يَخْلُو مِنْ ضَرَرٍ . وَمِنْهَا: أَنَّ الرِّبَا يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِالْمَكَاسِبِ ; لِأَنَّ صَاحِبَ الدِّرْهَمِ إذَا تَمَكَّنَ بِوَاسِطَةِ عَقْدِ الرِّبَا مِنْ تَحْصِيلِ الدِّرْهَمِ الزَّائِدِ نَقْدًا كَانَ أَوْ نَسِيئَةً خَفَّ عَلَيْهِ اكْتِسَابُ وَجْهِ الْمَعِيشَةِ , فَلَا يَكَادُ يَتَحَمَّلُ مَشَقَّةَ الْكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ وَالصِّنَاعَاتِ الشَّاقَّةِ , وَذَلِكَ يُفْضِي إلَى انْقِطَاعِ مَنَافِعِ الْخَلْقِ الَّتِي لَا تَنْتَظِمُ إلَّا بِالتِّجَارَاتِ وَالْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ وَالْعِمَارَاتِ . وَمِنْهَا: أَنَّ الرِّبَا يُفْضِي إلَى انْقِطَاعِ الْمَعْرُوفِ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ الْقَرْضِ ; لِأَنَّ الرِّبَا إذَا حُرِّمَ طَابَتْ النُّفُوسُ بِقَرْضِ الدِّرْهَمِ وَاسْتِرْجَاعِ مِثْلِهِ , وَلَوْ حَلَّ الرِّبَا لَكَانَتْ حَاجَةُ الْمُحْتَاجِ تَحْمِلُهُ عَلَى أَخْذِ الدِّرْهَمِ بِدِرْهَمَيْنِ , فَيُفْضِي إلَى انْقِطَاعِ الْمُوَاسَاةِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ . وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ . . . فَرِبَا النَّسِيئَةِ , وَهُوَ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ , مِثْلَ أَنْ يُؤَخِّرَ دَيْنَهُ وَيَزِيدَهُ فِي الْمَالِ , وَكُلَّمَا أَخَّرَهُ زَادَ فِي الْمَالِ , حَتَّى تَصِيرَ الْمِائَةُ عِنْدَهُ آلَافًا مُؤَلَّفَةً , وَفِي الْغَالِبِ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا مُعْدِمٌ مُحْتَاجٌ , فَإِذَا رَأَى أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ يُؤَخِّرُ مُطَالَبَتَهُ وَيَصْبِرُ عَلَيْهِ بِزِيَادَةٍ يَبْذُلُهَا لَهُ تَكَلَّفَ بَذْلَهَا لِيَفْتَدِيَ مِنْ أَسْرِ الْمُطَالَبَةِ وَالْحَبْسِ , وَيُدَافِعُ مِنْ وَقْتٍ إلَى وَقْتٍ , فَيَشْتَدُّ ضَرَرُهُ , وَتَعْظُمُ مُصِيبَتُهُ , وَيَعْلُوهُ الدَّيْنُ حَتَّى يَسْتَغْرِقَ جَمِيعَ مَوْجُودِهِ , فَيَرْبُو الْمَالُ عَلَى الْمُحْتَاجِ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَحْصُلُ لَهُ , وَيَزِيدُ مَالُ الْمُرَابِي مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَحْصُلُ مِنْهُ لِأَخِيهِ , فَيَأْكُلُ مَالَ أَخِيهِ بِالْبَاطِلِ , وَيَحْصُلُ أَخُوهُ عَلَى غَايَةِ الضَّرَرِ , فَمِنْ رَحْمَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ وَحِكْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ إلَى خَلْقِهِ أَنْ حَرَّمَ الرِّبَا . . . 10 - وَأَمَّا الْأَصْنَافُ السِّتَّةُ الَّتِي حُرِّمَ فِيهَا الرِّبَا بِمَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: { الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ , وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ , وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ , وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ , وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ , وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ , مِثْلًا بِمِثْلٍ , يَدًا بِيَدٍ , فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى , الْآخِذُ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ } .