فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 1226

5 -قَالَ السَّرَخْسِيُّ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى لِآكِلِ الرِّبَا خَمْسًا مِنْ الْعُقُوبَاتِ: إحْدَاهَا: التَّخَبُّطُ . . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { لَا يَقُومُونَ إلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ } . الثَّانِيَةُ: الْمَحْقُ . . قَالَ تَعَالَى: { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا } وَالْمُرَادُ الْهَلَاكُ وَالِاسْتِئْصَالُ , وَقِيلَ: ذَهَابُ الْبَرَكَةِ وَالِاسْتِمْتَاعِ حَتَّى لَا يَنْتَفِعَ بِهِ , وَلَا وَلَدُهُ بَعْدَهُ . الثَّالِثَةُ: الْحَرْبُ . . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } . الرَّابِعَةُ: الْكُفْرُ . . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } وَقَالَ سُبْحَانَهُ بَعْدَ ذِكْرِ الرِّبَا: { وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } أَيْ: كَفَّارٍ بِاسْتِحْلَالِ الرِّبَا , أَثِيمٍ فَاجِرٍ بِأَكْلِ الرِّبَا . الْخَامِسَةُ: الْخُلُودُ فِي النَّارِ . قَالَ تَعَالَى: { وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } . وَكَذَلِكَ - قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } , قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: { أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً } لَيْسَ لِتَقْيِيدِ النَّهْيِ بِهِ , بَلْ لِمُرَاعَاةِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْعَادَةِ تَوْبِيخًا لَهُمْ بِذَلِكَ , إذْ كَانَ الرَّجُلُ يُرْبِي إلَى أَجَلٍ , فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ قَالَ لِلْمَدِينِ: زِدْنِي فِي الْمَالِ حَتَّى أَزِيدَك فِي الْأَجَلِ , فَيَفْعَلُ , وَهَكَذَا عِنْدَ مَحَلِّ كُلِّ أَجَلٍ , فَيَسْتَغْرِقُ بِالشَّيْءِ الطَّفِيفِ مَالَهُ الْكُلِّيَّةَ , فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وَنَزَلَتْ الْآيَةُ . 6 - وَدَلِيلُ التَّحْرِيمِ مِنْ السُّنَّةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: مَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: { اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاَللَّهِ , وَالسِّحْرُ , وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ , وَأَكْلُ الرِّبَا , وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ , وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ , وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ } . وَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله تعالى عنهما قَالَ: { لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ , وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ } . وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَصْلِ تَحْرِيمِ الرِّبَا . وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي تَفْصِيلِ مَسَائِلِهِ وَتَبْيِينِ أَحْكَامِهِ وَتَفْسِيرِ شَرَائِطِهِ . 7 - هَذَا , وَيَجِبُ عَلَى مَنْ يُقْرِضُ أَوْ يَقْتَرِضُ أَوْ يَبِيعُ أَوْ يَشْتَرِي أَنْ يَبْدَأَ بِتَعَلُّمِ أَحْكَامِ هَذِهِ الْمُعَامَلَاتِ قَبْلَ أَنْ يُبَاشِرَهَا , حَتَّى تَكُونَ صَحِيحَةً وَبَعِيدَةً عَنْ الْحَرَامِ وَالشُّبُهَاتِ , وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ , وَتَرْكُهُ إثْمٌ وَخَطِيئَةٌ , وَهُوَ إنْ لَمْ يَتَعَلَّمْ هَذِهِ الْأَحْكَامَ قَدْ يَقَعُ فِي الرِّبَا دُونَ أَنْ يَقْصِدَ الْإِرْبَاءَ , بَلْ قَدْ يَخُوضُ فِي الرِّبَا وَهُوَ يَجْهَلُ أَنَّهُ تَرَدَّى فِي الْحَرَامِ وَسَقَطَ فِي النَّارِ , وَجَهْلُهُ لَا يُعْفِيهِ مِنْ الْإِثْمِ وَلَا يُنَجِّيهِ مِنْ النَّارِ ; لِأَنَّ الْجَهْلَ وَالْقَصْدَ لَيْسَا مِنْ شُرُوطِ تَرَتُّبِ الْجَزَاءِ عَلَى الرِّبَا , فَالرِّبَا بِمُجَرَّدِ فِعْلِهِ - مِنْ الْمُكَلَّفِ - مُوجِبٌ لِلْعَذَابِ الْعَظِيمِ الَّذِي تَوَعَّدَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ بِهِ الْمُرَابِينَ , يَقُولُ الْقُرْطُبِيُّ: لَوْ لَمْ يَكُنْ الرِّبَا إلَّا عَلَى مَنْ قَصَدَهُ مَا حُرِّمَ إلَّا عَلَى الْفُقَهَاءِ . وَقَدْ أُثِرَ عَنْ السَّلَفِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُحَذِّرُونَ مِنْ الِاتِّجَارِ قَبْلَ تَعَلُّمِ مَا يَصُونُ الْمُعَامَلَاتِ التِّجَارِيَّةَ مِنْ التَّخَبُّطِ فِي الرِّبَا , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ رضي الله عنه: لَا يَتَّجِرُ فِي سُوقِنَا إلَّا مَنْ فَقِهَ , وَإِلَّا أَكَلَ الرِّبَا , وَقَوْلُ عَلِيٍّ رضي الله عنه: مَنْ اتَّجَرَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَقَّهَ ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا ثُمَّ ارْتَطَمَ ثُمَّ ارْتَطَمَ , أَيْ: وَقَعَ وَارْتَبَكَ وَنَشِبَ . وَقَدْ حَرَصَ الشَّارِعُ عَلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ الْمُفْضِيَةِ إلَى الرِّبَا ; لِأَنَّ مَا أَفْضَى إلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ , وَكُلُّ ذَرِيعَةٍ إلَى الْحَرَامِ هِيَ حَرَامٌ , رَوَى أَبُو دَاوُد بِسَنَدِهِ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: { لَمَّا نَزَلَتْ: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ . . } قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ لَمْ يَذَرْ الْمُخَابَرَةَ فَلْيُؤْذَنْ بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ الْمُخَابَرَةُ وَهِيَ الْمُزَارَعَةُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ , وَالْمُزَابَنَةُ وَهِيَ اشْتِرَاءُ الرُّطَبِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ , وَالْمُحَاقَلَةُ وَهِيَ اشْتِرَاءِ الْحَبِّ فِي سُنْبُلِهِ فِي الْحَقْلِ بِالْحَبِّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ , إنَّمَا حُرِّمَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ وَمَا شَاكَلَهَا حَسْمًا لِمَادَّةِ الرِّبَا ; لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ التَّسَاوِي بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ قَبْلَ الْجَفَافِ , وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: الْجَهْلُ بِالْمُمَاثَلَةِ كَحَقِيقَةِ الْمُفَاضَلَةِ , وَمِنْ هَذَا حَرَّمُوا أَشْيَاءَ بِمَا فَهِمُوا مِنْ تَضْيِيقِ الْمَسَالِكِ الْمُفْضِيَةِ إلَى الرِّبَا وَالْوَسَائِلِ الْمُوَصِّلَةِ إلَيْهِ , وَتَفَاوَتَ نَظَرُهُمْ بِحَسَبِ مَا وَهَبَ اللَّهُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ مِنْ الْعِلْمِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت