وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلاَ تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَلاَ تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلاَ تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَلاَ تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ » (1)
(1) - صحيح البخارى برقم ( 2177 ) ومسلم برقم (4138 )
تشف: تزيد وتفضل = الناجز: الحاضر
فتح الباري لابن حجر - (ج 7 / ص 4)
قَوْله: ( وَلَا تُشِفُّوا )
بِضَمّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الشِّين الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ تُفَضِّلُوا ، وَهُوَ رُبَاعِيّ مَنْ أَشَفَّ ، وَالشِّفُّ بِالْكَسْرِ الزِّيَادَة ، وَتُطْلَقُ عَلَى النَّقْصِ .
قَوْله: ( وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ )
بِنُون وَجِيم وَزَاي مُؤَجَّلًا بِحَالٍّ ، أَيْ وَالْمُرَاد بِالْغَائِبِ أَعَمّ مِنْ الْمُؤَجَّلِ كَالْغَائِبِ عَنْ الْمَجْلِسِ مُطْلَقًا مُؤَجَّلًا كَانَ أَوْ حَالًّا وَالنَّاجِز الْحَاضِر ، قَالَ اِبْن بَطَّال: فِيهِ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُل دَرَاهِم وَلِآخَرَ عَلَيْهِ دَنَانِير لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَاصَّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِمَا لَهُ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مَعْنَى بَيْع الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَجُزْ غَائِب بِنَاجِز فَأَحْرَى أَنْ لَا يَجُوزَ غَائِبٌ بِغَائِب ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ"كُنْت أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ: أَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ . فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا كَانَ بِسِعْرِ يَوْمِهِ وَلَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْء"فَلَا يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا ، لِأَنَّ النَّهْيَ بِقَبْضِ الدَّرَاهِمِ عَنْ الدَّنَانِيرِ لَمْ يَقْصِدْ إِلَى التَّأْخِيرِ فِي الصَّرْفِ قَالَهُ ابْن بَطَّالٍ ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ"مِثْلًا بِمِثْلٍ"عَلَى بُطْلَانِ الْبَيْعِ بِقَاعِدَة مُدّ عَجْوَة وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ مُدّ عَجْوَة وَدِينَارًا بِدِينَارَيْنِ مِثْلًا ، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْمَنْعِ حَدِيث فَضَالَة بْن عُبَيْد عِنْد مُسْلِم فِي رَدِّ الْبَيْعِ فِي الْقِلَادَةِ الَّتِي فِيهَا خَرَز وَذَهَب حَتَّى تُفْصَلَ أَخْرَجَهُ مُسْلِم ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد"فَقُلْت إِنَّمَا أَرَدْت الْحِجَارَةَ ، فَقَالَ: لَا حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا".
شرح النووي على مسلم - (ج 5 / ص 444)
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ )
الْمُرَاد بِالنَّاجِزِ الْحَاضِر ، وَبِالْغَائِبِ الْمُؤَجَّل ، وَقَدْ أَجْمَع الْعُلَمَاء عَلَى تَحْرِيم بَيْع الذَّهَب بِالذَّهَبِ أَوْ بِالْفِضَّةِ مُؤَجَّلًا ، وَكَذَلِكَ الْحِنْطَة بِالْحِنْطَةِ أَوْ بِالشَّعِيرِ ، وَكَذَلِكَ كُلّ شَيْئَيْنِ اِشْتَرَكَا فِي عِلَّة الرِّبَا ، أَمَّا إِذَا بَاعَ دِينَارًا بِدِينَارٍ كِلَاهُمَا فِي الذِّمَّة ، ثُمَّ أَخْرَجَ كُلّ وَاحِد الدِّينَار ، أَوْ بَعَثَ مَنْ أَحْضَرَ لَهُ دِينَارًا مِنْ بَيْته وَتَقَابَضَا فِي الْمَجْلِس فَيَجُوز بِلَا خِلَاف عِنْد أَصْحَابنَا ؛ لِأَنَّ الشَّرْط أَنْ أَلَّا يَتَفَرَّقَا بِلَا قَبْض ، وَقَدْ حَصَلَ ، وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ: ( وَلَا تَبِيعُوا شَيْئًا غَائِبًا مِنْهُ بِنَاجِزٍ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ )
وَأَمَّا قَوْل الْقَاضِي عِيَاض: اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز بَيْع أَحَدهمَا بِالْآخَرِ إِذَا كَانَ أَحَدهمَا مُؤَجَّلًا أَوْ غَابَ عَنْ الْمَجْلِس ، فَلَيْسَ كَمَا قَالَ ؛ فَإِنَّ الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَغَيْرهمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَاز الصُّوَر الَّتِي ذَكَرْتهَا ، وَاَللَّه أَعْلَم .
تحفة الأحوذي - (ج 3 / ص 342)
1162 - قَوْلُهُ: ( اِنْطَلَقْت أَنَا وَابْنُ عُمَرَ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ )
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ اِبْنَ عُمَرَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ: إِنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَأْثُرُ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ نَافِعٌ فَانْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَنَا مَعَهُ وَاللَّيْثُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا أَخْبَرَنِي أَنَّك تُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ الْحَدِيثَ . فَأَشَارَ أَبُو سَعِيدٍ بِأُصْبُعَيْهِ إِلَى عَيْنَيْهِ وَأُذُنَيْهِ فَقَالَ: أَبْصَرَتْ عَيْنَايَ وَسَمِعَتْ أُذُنَايَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِلَخْ .
( لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ )
يَدْخُلُ فِي الذَّهَبِ جَمِيعُ أَصْنَافِهِ مِنْ مَضْرُوبٍ وَمَنْقُوشٍ وَجَيِّدٍ وَرَدِيءٍ وَصَحِيحٍ وَمُكَسَّرٍ وَحُلِيٍّ وَتِبْرٍ وَخَالِصٍ وَمَغْشُوشٍ . وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ الْإِجْمَاعَ
( إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ )
أَيْ إِلَّا حَالَ كَوْنِهِمَا مُتَمَاثِلِينَ أَيْ مُتَسَاوِيَيْنِ
( وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ )
الْمُرَادُ بِالْفِضَّةِ جَمِيعُ أَنْوَاعِهَا مَضْرُوبَةً وَغَيْرَ مَضْرُوبَةٍ
( لَا يُشَفُّ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ )
بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ الْمَجْهُولِ مِنْ الْإِشْفَافِ وَهُوَ التَّفْضِيلُ يُقَالُ شَفَّ الدِّرْهَمُ يَشِفُّ إِذَا زَادَ وَإِذَا نَقَصَ مِنْ الْأَضْدَادِ . وَأَشَفَّهُ غَيْرُهُ يَشِفُّهُ كَذَا فِي عُمْدَةِ الْقَارِي .
( وَلَا تَبِيعُوا مِنْهُ غَائِبًا )
أَيْ غَيْرَ حَاضِرٍ
( بِنَاجِزٍ )
أَيْ حَاضِرٍ مِنْ النُّجْزِ بِالنُّونِ وَالْجِيمِ وَالزَّايِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ أَيْ مُؤَجَّلًا بِحَالٍّ وَالْمُرَادُ بِالْغَائِبِ أَعَمُّ مِنْ الْمُؤَجَّلِ كَالْغَائِبِ عَنْ الْمَجْلِسِ مُطْلَقًا ، مُؤَجَّلًا كَانَ أَوْ حَالًّا ، وَالنَّاجِزُ الْحَاضِرُ اِنْتَهَى .
قَوْلُهُ: ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ إِلَخْ )
قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي السِّتَّةِ ، وَعَنْ عَلِيٍّ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مُسْلِمٍ ، وَعَنْ أَنَسٍ فِي الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَعَنْ بِلَالٍ فِي الْبَزَّارِ وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ فِي الْبَيْهَقِيِّ وَهُوَ مَعْلُولٌ اِنْتَهَى . قُلْتُ: وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَالْبَزَّارِ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَأَمَّا أَحَادِيثُ بَاقِي الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهَا ،
قَوْلُهُ: ( حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ )
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، قَوْلُهُ:
( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ إِلَخْ )
اِعْلَمْ أَنَّ بَيْعَ الصَّرْفِ لَهُ شَرْطَانِ ، مَنْعُ النَّسِيئَةِ مَعَ اِتِّفَاقِ النَّوْعِ وَاخْتِلَافِهِ وَهُوَ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ ، وَمَنْعُ التَّفَاضُلِ فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ مِنْهُمَا وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ . وَخَالَفَ فِيهِ اِبْنُ عُمَرَ ثُمَّ رَجَعَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَاخْتُلِفَ فِي رُجُوعِهِ وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حَيَّانَ الْعَدَوِيِّ سَأَلْت أَبَا مِجْلَزٍ عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ: كَانَ اِبْنُ عَبَّاسٍ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا زَمَانًا مِنْ عُمُرِهِ مَا كَانَ مِنْهُ عَيْنًا بِعَيْنٍ يَدًا بِيَدٍ . وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ . فَلَقِيَهُ أَبُو سَعِيدٍ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَالْحَدِيثَ وَفِيهِ: التَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ يَدًا بِيَدٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ فَمَنْ زَادَ فَهُوَ رِبًا . فَقَالَ اِبْنُ عَبَّاسٍ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ . فَكَانَ يَنْهَى عَنْهُ أَشَدَّ النَّهْيِ . كَذَا قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي . فَإِنْ قُلْتَ فَمَا وَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ وَبَيْنَ حَدِيثِ أُسَامَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ". أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا: قُلْتُ: اِخْتَلَفُوا فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَقِيلَ: إِنَّ حَدِيثَ أُسَامَةَ مَنْسُوخٌ لَكِنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ . وَقِيلَ: الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: لَا رِبَا ؛ الرِّبَا الْأَغْلَظُ الشَّدِيدُ التَّحْرِيمِ الْمُتَوَعَّدُ عَلَيْهِ بِالْعِقَابِ الشَّدِيدِ كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: لَا عَالِمَ فِي الْبَلَدِ إِلَّا زَيْدٌ . مَعَ أَنَّ فِيهَا عُلَمَاءَ غَيْرَهُ وَإِنَّمَا الْقَصْدُ نَفْيُ الْأَكْمَلِ لَا نَفْيُ الْأَصْلِ . وَأَيْضًا فَنَفْيُ تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ إِنَّمَا هُوَ بِالْمَفْهُومِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ بِالْمَنْطُوقِ ، وَيُحْمَلُ حَدِيثُ أُسَامَةَ عَلَى الرِّبَا الْأَكْبَرِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْنَى حَدِيثِ أُسَامَةَ لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ إِذَا اِخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُ الْبَيْعِ وَالْفَضْلُ فِيهِ يَدًا بِيَدٍ رِبَا ، جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ .
المنتقى - شرح الموطأ - (ج 3 / ص 395)
1145 - ( ش ) : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِهِ مِنْ التِّبْرِ وَالْمَسْكُوكِ وَالْمَصُوغِ وَالْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ يَسِيرِ الزِّيَادَةِ ؛ لِأَنَّ الشُّفُوفَ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي يَسِيرِ الزِّيَادَةِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ فَإِنَّهُ مَنَعَ النَّسَا فِيهَا وَالْعَقْدَ عَلَى غَائِبٍ حِينَ الْعَقْدِ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ مَا غَابَ عَنْ الْعَقْدِ الْمَذْكُورِ وَفَائِدَةُ أَنَّ التَّقَابُضَ فِي الْعِوَضَيْنِ مِنْهُمَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا مُحَالٌ أَنْ يُشْتَرَطَ حُضُورُهُمَا الْعَقْدَ وَيُؤَخَّرَ قَبْضُهُمَا .
شرح ابن بطال - (ج 11 / ص 313)
قوله: « لا تشفوا بعضها على بعض » يرد ما رواه أهل مكة عن ابن عباس أنه كان يجيز الدرهم بالدرهمين يدًا بيد، ويقول: إنما الربا في النسيئة. وستأتى مذاهب العلماء في هذا الباب بعد هذا - إن شاء الله.
وقوله: « ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز » فالناجز: الحاضر، يقال: نجز المال: إذا حضر، ومنه قوله أنجز فلان ما وعد: إذا وفى له به وأحضره.
وقوله: « ولا تشفوا بعضها على بعض » يقتضى تحريم قليل الزيادة وكثيرها، يقول: لا تبيعوا إحداهما زائدًا على الأخرى.
تقول العرب: قد أشف فلان بعض بنيه على بعض: إذا فضل بعضهم على بعض، ويقال ما أقرب شف ما بنيهما، أى: فضل ما بينهما، وفلان حريص على الشف، يعنى: الربح عن الطبرى.
شرح الأربعين النووية - (ج 1 / ص 462)
الغريب:
1-الورق: هو الفضة مضروبة أو غير مضروبة.
2-ولا تُشفُّوا بعضها على بعض: بضم أوله، وكسر الشين المعجمة، وتشديد الفاء. أي لا تفضلوا بعضها على بعض. وهو رباعي من"أشف"و"الشف"بالكسر، الزيادة، ويطلق على النقص أيضًا، فهو من الأضداد.
المعنى الإجمالي:
في هذا الحديث الشريف ينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الربا بنوعيه: الفضل، والنسيئة.
فهو ينهى عن بيع الذهب بالذهب، سواء أكانا مضروبين، أم غير مضروبين، إلا إذا تماثلا وزنًا بوزنْ، وأن يحصل التقابض فيهما، في مجلس العقد، إذ لا يجوز بيع أحدهما حاضرًا، والآخر غائبا.
كما نهى عن بيع الفضة بالفضة، سواء أكانت مضروبة أم غير مضروبة، إلا أن تكون متماثلة وزنًا بوزن، وأن يتقابضا بمجلس العقد.
فلا يجوز زيادة أحدهما عن الآخر، ولا التفرُّق قبل التقابض.
ما يستفاد من الحديث:
1-النهى عن بيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، سواء أكانت مضروبة، أم غير مضروبة، أم مختلفة، ما لم تكن مماثلة بمعيارها الشرعي وهو الوزن، وما لم يحصل التقابض من الطرفين في مجلس العقد.
2-النهى عن ذلك يقتضي تحريمه وفساد العقد.
3-التماثل والتقابض بمجلس العقد، مشروط بين جميع الأموال الربوية، ويأتي بيان ما يجمعها إن شاء الله.
4-قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رجل يداين الناس كل مائة بمائة وأربعين ويجعل سلفا على حرير: هذا هو عين الربا الذي أنزل فيه القرآن، وذكر أنه لا يستحق إلا ما أعطاهم أو نظيره أما الزيادة فلا يستحق شيئا منها. أما ما قبضه بتأول فيعفى عنه: وأما ما بقى في الذمم فهو ساقط لقوله تعالى: { وذروا ما بقى من الربا } .
اختلاف العلماء:
أجمع العلماء على تحريم التفاضل والنساء في جنس واحد من الأجناس ، التي نص عليها حديث عبادة بن الصامت قال:"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينًا بعين، فمن زاد، أو ازداد، فقد أربى". رواه مسلم.
فهو نص في منع التفاضل في الجنس الواحد من هذه الأعيان المذكورة.
وأما منع النسيئة، فيستفاد من مثل حديث عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللَه صلى الله عليه وسلم:"الذهب بالذهب ربًا، إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربًا، إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا، إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا، إلا هاء وهاء".
ويجوز بيع الجنس الواحد من هذه الستة بالجنس الآخر نَساء لبقية حديث عبادة"فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد"وكل هذا مجمع عليه عند العلماء، إلا في الشعير مع البر، فقد رأى بعضهم أنَهما جنس واحد، والصحيح أنهما جنسان.
وقد ذهبت الظاهرية إلى أن الربا لا يتعدى هذه الأجناس الستة لنفيهمُ القياس .
وأما جمهور العلماء فقد عَدّوا الحكم إلى غيرها من الأشياء. واختلفوا في الأشياء الملحقة، تبعًا لاختلافهم في فهم العلة المانعة من التفاضل والنِّساء،
وقد اتفق العلماء على أن العلة في الذهب والفضة، غير العلة في الأربعة الباقية وأن لكل منهما علة واحدة. ثم اختلفوا في العلة.
فالرواية المشهورة عن الإمام أحمد، في الذهب والفضة كونهما موزوني جنس وفى الأربعة الباقية، كونها مكيلة جنس، فيلحق بهما ما شابهما في العلة.
وبهذا القول قال النخعي، والزهري، والثوري، وإسحاق والحنفية. فعلى هذا يجرى الربَا في كل موزون، أو مكيل بيع بجنسه، سواء أكان مطعومًا، كالحبوب، والسكر، والأدهان. أم غير مطعوم، كالحديد، والصفر والنحاس، والأشنان ونحو ذلك. وغير المكيل أو الموزون
لا يجرى فيه، وأن كان مطعوما، كالفواكه المعدودة.
ويستدلون على ثبوت هذا التعليل عندهم، بما رواه أحمد عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين".
وما رواه الدارقطنى عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما وُزِنَ مثلا بمثل، نوعًا واحدا. وما كيل ، فمثل ذلك، فإذا اختلف النوعان، فلا بأس به". فاعتبر، هنا، الكيل، أو الوزن في الجنس الواحد، لتحقق العلة.
وذهب الشافعي إلى أن العلة، الطعم والجنس، والعلة في الذهب والفضة، كونهما ثمنين للأشياء، فيختص الحكم بهما. والدليل على ذلك، ما رواه مسلم، عن معمر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم"نهى عن بيع الطعام بالطعام، إلا مثلا بمثل".
فقد علَّق الحكم باسم الطعام، فدل على العلة واشتقاقها. ووافق الإمام مالك الشافعي في النقدين، أم غيرهما، فالعلة عنده فيه ترجع إلى الجنس والادخار، والاقتيات. وكذلك ما يصلح الطعام من التوابل. ويرون أن الأصناف الأربعة المذكورة في الحديث جاءت للتنبيه على ما في معناها، ويجمعها كلها الاقتيات والادخار .
فالبر، والشعير، لأنواعْ الحبوب. والتمر لأنواع الحلويات، كالسكر والعسل، والملح، لأنواع التوابل.
وهناك رواية أخرى عن الإمام أحمد هي مذهب الإمام الشافعي في القديم، وقال بها سعيد بن المسيب. وهى أن العلة في الأربعة المذكورة في الحديث: الطعم، والكيل أو الوزن فلا يجرى الربا في مطعوم لا يكال ولا يوزن، كالرمان والحض، والبطيخ.
كما لا يجرى في مكيل أو موزون لا يطعم. فلابد من اعتبار الأمرين ، لأن الكيل وحده، أو الوزن وحده، لا يقتضي وجوب المماثلة، كما أن الطعم
وحده لا تتحقق به المماثلة، لعدم المعيار الشرعي فيه، وإنما تتحقق المماثلة في المعيار الشرعي الذي هو الكيل والوزن.
وبهذا القول تجتمع الأحاديث الواردة في هذه المسألة، ويقيد كل حديث منها بالآخر.
وقد اختار هذا القول [ صاحب المغنى] والشارح عبد الرحمن بن أبي عمر، وشيخ الإسلام"ابن تيمية"رحمهم الله تعالى.
تلخيص:قال في المغنى: فالحاصل إن ما اجتمع فيه الكيل والوزن والطعم من جنس واحد، ففيه الربا. رواية واحدة كالأرز، والدخن والقطنيات، والدهن.
وهذا قول أكثر أهل العلم وعلماء الأمصار في القديم والحديث. وما يعدم فيه الكيل، والوزن والطعم، واختلف جنسه، فلا ربا فيه رواية واحدة. وهو قول أكثر العلماء، وذلك كالتين والنوى. وما وجد فيه الطعم وحده، أو الكيل والوزن من جنس واحد، فيه روايتان.
واختلف أهل العلم فيه، والأولى- إن شاء الله- حِله، إذ ليس في تحريمه دليل موثوق به، ولا معنى يقوى التمسك به، وهى- مع ضعفها- يعارض بعضها بعضا. فوجب إخراجها، أو الجمع بينها، والرجوع إلى أصل الحل، الذي يقتضيه الكتاب، والسنة، والاعتبار .
موطأ محمد بشرح اللكنوي - (ج 3 / ص 89)
أي إلاّ حال كونهما متماثِلَيْن أي متساويين وزنًا من غير اعتبار الجَوْدة والرداءة.
قوله: ولا تُشِفُّوا، قال الزرقاني: بضم الفوقية وكسر الشين المعجمة وضم الفاء المشددة، من الإِشفاف، أي لا تفضلوا، والشفُّ هو الزيادة، وفيه دليل على أن الزيادة وإن قلّت حرام لأن الشفوف الزيادة القليلة، ومنه شفافة الإِناء لبقية الماء.
قوله: غائبًا بناجز، بنون وجيم وزاء معجمة أي مؤجَّلًا بحاضر، بل لا بد من التقابض في المجلس، ولا خلاف في منع الصرف المؤخرّ إلا في دينار في ذمة أحدٍ صرفه الآن، أو في دينار في ذمة وصرفه في ذمة أخرى فيتقاصّان معًا، فذهب مالك إلى جواز الصورتين بشرط حلول ما في الذمة وأن يتناجزا في المجلس، وأجاز أبو حنيفة الصورتين معًا وإن لم يحلّ ما في الذمة فيهما لمراعاة براءة الذمم وأجاز الشافعي الأولى دون الثانية، قاله القاضي عياض قال الموفق: ويجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر. ويكون صرفًا بعين وذمة في قول أكثر أهل العلم، ومنع منه ابن عباس وأبو سلمة بن عبد الرحمن وابن شبرمة لأن القبض شرط وقد تخلَّف، ولنا ما روى أبو داود والأثرم عن ابن عمر كنت أبيع الإِبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، الحديث وفيه: فقال صلى الله عليه وسلم: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وليس بينكما شيء، قال أحمد: إنما يقضيه إياها بالسعر، لم يختلفوا أن يقضيه إياه بالسعر إلا ما قال أصحاب الرأي: إنه يقضيه مكانها ذهبًا على التراضي لأنه بيع في الحال فجاز ما تراضيا عليه إذا اختلف الجنس، ولنا حديث ابن عمر المذكور، فإن كان المقضيّ الذي في الذِّمة مؤجَّلًا فقد توقف فيه أحمد، وقال القاضي: يحتمل وجهين: أحدهما المنع وهو قول مالك ومشهور قولي الشافعي لأن ما في الذمة لا يستحق قبضه، والآخر الجواز، وهو قول أبي حنيفة لأن الثابت في الذمة بمنزلة المقبوض. المغني 4/55.
شرح بلوغ المرام - (ج 197 / ص 4)
شرح حديث: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل)
قال رحمه الله: [وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل ) ] .
عقد البيع فيه مبيع وثمن، الثمن من المشتري، والمبيع من البائع، والأصل أن الذهب قيمة المشتريات، كما يقولون: المال السائل، فهو الوسيط بين صاحب السلعة ومن يحتاجها، وكان قبل الذهب وقبل النقود وقبل العملة؛ كان البيع والشراء بالمقايضة، تأخذ صاع تمر وتبيعه لصاحب البر فيعطيك بالتمر برًا، أو تأخذ البر وتبيعه لصاحب السكر، فتقول له: خذ هذا الصاع من البر، وأعطني سكرًا، فكانت مقايضة بالأصناف والأعيان، وتأخذ صاع الحب وتذهب للجزار وتقول له: أعطني بهذا لحمًا، وإلى الآن في بعض البلدان يتعاملون بالحبوب مقايضة في دكان البقالة، إلى الآن موجود.
ثم جاءت النقود، والمعاملة بها صارت أيسر وميسرة للسفر، وتحديدها معلوم للجميع، فهنا الذهب بالذهب، أيهما ثمن؟ وأيهما مثمن؟ مع أن الذهب في أصله هو قيمة المشتريات وكذلك الفضة، لكن الذهب يخرج عن كونه قيمة المشتريات ويصبح سلعة؛ لأن الذهب له ثلاث حالات: إما تبر، مادة خام، سبيكة.
وإما مضروب، دنانير أنصاف دنانير إلى آخره، وهذه عملة.
وإما مصوغ كما يقال: منقوش، سوار، قرط في الأذن، خاتم في الأصبع، كذا كذا إلى آخره.
فهو عملة وقيمة للمثمنات حينما يضرب، ويجعل وحدة متحدة وزنًا وقيمة، والذين يضربون الذهب الآن يجعلونه جنيهات ذهبية، الجنيه الجورج، الجنيه الأمريكي، الجنيه السعودي، وغيرها، وفي حد علمي أن وزن معظم الجنيهات في العالم، وهو الجنيه الصغير ثمانية جرامات، وكأنه وحدة عالمية، وهناك جنيهات تخرج عن هذا، يوجد جنيه إنجليزي أو أمريكي بقدر أربع جنيهات، وفي عهد البرامكة جعلوا الدينار البرمكي أربعة مثاقيل؛ لأنه كان ضخمًا يقدم هدية.
والذي يهمنا أن الذهب بالذهب ربا، والذهب أصل قيمة المبيعات، فإذا أصبح الذهب ثمنًا ومثمنًا، فأين الثمن، وأين المثمن؟ إذا كان الذهب مضروبًا نقدًا فهذا هو الثمن، وإذا كان الذهب مصوغًا أو تبرًا -مادة الخام- فهذا هو المثمن، أي: المشترى.
إذًا: يمكن بيع الذهب بالذهب نقدًا بنقد، مثل: بيع الذهب بالذهب تبرًا بتبر، بيع الذهب بالذهب مصوغًا بمصوغ، بيع الذهب بالذهب مضروبًا نقدًا بمصوغ، مضروبًا نقدًا بتبر، كل هذه المسميات داخلة تحت قوله: ( لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا ...) ، حتى قال بعض العلماء: ولو كان أحدهما مغشوشًا والثاني سليمًا فلا يجوز أن تبيع ذهبًا خالصًا بذهب مغشوش بالنحاس -أو ما يسمى شبه النحاس الراقي الذي يشبه الذهب في لونه- وزنًا بوزن، ما يجوز ولو زدت فيه؛ لأننا لا نعلم قدر المغشوش في المغشوش، ولا نستطيع أن نحكم على الذهب الصافي بالذهب الصافي هناك، إذًا مهما كانت صورة الذهب تبرًا، نقدًا، صافيًا، مصوغًا، خالصًا أو مغشوشًا، فجنس ذهب بذهب إذا بيع هذا بهذا لا يمكن أن تكون هناك زيادة، ولا تأخير.
فالذهب بالذهب يحرم فيه الزيادة، ويحرم فيه التأخير، يعني: يحرم فيه ربا الفضل، وربا النسيئة.
وإذا أردت أن أشتري حليًا، وعندي ذهب دنانير جنيه، فالوجه الشرعي أن توضع الحلي في كفة، وتوضع الدنانير المضروبة في كفة حتى تتعادل الكفتان، والتاجر يأخذ الدنانير الذهب، والمشتري يأخذ الحلي.
ولو قال قائل: ما عندي دنانير، لكن عندي ذهب سبائك، وأريد ذهبًا مصنعًا، فالوجه الشرعي أن يوضع الحلي المصنوع المزخرف في كفة، ويوضع الذهب الخام السبائك في كفة، فإذا تعادلتا صح البيع، وإذا زاد في وزن السبائك ونقص في المصوغ وقال: من أجل الصياغة؛ بطل هذا البيع، ولا يجوز، وما المخرج من هذا إذًا؟ بع السبيكة بالفضة، واشتري الحلي بالفضة، ويجوز بيع الذهب بالفضة مع الزيادة والنقص، ولا يشترط التماثل في الوزن، الفضة كيلو، وهذا الذهب ربع كيلو، فيوجد فرق في المقدار، لكن يشترط التقابض يدًا بيد.
إذًا: الجنس بالجنس من هذه المسميات يشترط فيه التماثل والتقابض، مثل بيع الذهب بالذهب تبرًا، مصوغًا، مضروبًا، مغشوشًا، صحيحًا، مستعملًا، مكسرًا، بأي صفة من الأصناف، ما دام مادة الذال والهاء والباء موجودة، فإن بيع بجنسه وجب أن يكون وزنًا بوزن، يدًا بيد.
حكم الأوراق النقدية
الفضة الآن غير موجودة نقدًا، إنما عندنا الأوراق النقدية، وهي تمثل الريال، والريال فضي، إذًا: هذه الأوراق المتداولة تمثل الفضة، فإذا اشترينا ذهبًا بفضة بالنيابة وهو الورق فليس هناك وزن، وليس هناك تقدير بين الثمن والمثمن على ما اتفقا عليه، فيجوز شراء الجرام الذهب بثلاثين ريالًا، بخمسين ريالًا، بمائة ريال، لا يوجد مانع، لكن يدًا بيد، يقول مثلًا: أعطني هذه الأسورة، وكان وزنها خمسين جرامًا -مثلًا-، فقال: قيمتها ألفان، فأعطاه ألفين إلا خمسين ريالًا نقصت، فيقول له: حطها محلها، ولا يقول له: اذهب أنت مؤتمن، ولو أنت مؤتمن ألف مرة، فإن العقد لا يتم، إلا إذا كان الثمن والمثمن يدًا بيد.
وأهل الذهب ربما يعملون حيلة، يقول أحدهم: خذ هذه خمسين ريالًا قرضة حسنة مني إليك، أعطني الخمسين الباقية، وهذه الحيلة على من؟! تبغى تروج بضاعتك بالحيلة على الشرع؟ لا.
وفي الذهب مشاكل كثيرة في الأسواق، إذا بيع بغير جنسه بالدولار، بالربية، بالاسترليني، بأي عملة ما لم تكن ذهبية، بع واشتر ما شئت، ولكن لا تفارق البائع وله عندك فلس واحد.
حكم صرف الذهب بالفضة
ويشترط التقابض في صرف الذهب بالفضة، الصراف يأخذ الذهب ويعطيه الدراهم في نفس المجلس، وينقل بعض العلماء عن مالك لو أن مصطرفًا جاء إلى الصراف، ودفع إليه الدنانير ليعطيه الدراهم، فلا يجوز أن يفارقه ولو قليلًا إلا إذا مد يده بالدنانير ليأخذها، ومد الآخر يده بالدراهم ليدفعها، في نفس المجلس، ويقول: لو أن الصراف أخذ الدنانير، ودخل دكانه ليفتح صندوقه ويأتي بالدراهم فلا يجوز! سمعتم هذا يا جماعة؟! إذا جاء المصطرف بالدنانير، والصراف قاعد عند باب الدكان، وأعطاه مثلًا مائة دينار، فقال: مرحبًا، عندي صرف، وأخذ الدنانير من صاحبها، ودخل إلى مكان في آخر دكانه ليفتح الصندوق، ويضع الدنانير ويأتي بالدراهم، مالك قال: لا يجوز؛ لأنه ما حصل يد بيد، والواجب أن يترك الدنانير مع صاحبها، ويذهب يفتح صندوقه، ويأتي بالدراهم إلى صاحب الدنانير، ثم هاء وهاء، خذ وهات.
فـ مالك لا يقبل تأخير الصرف ما بين أن يذهب إلى آخر دكانه ويأتي، فما بالك إذا جاءه فقال: أروح البيت ثم أمر عليك؟! هذه معاملة ممنوعة في الذهب بالفضة أو الفضة بالذهب.
إذًا: ( لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل ) ، والمماثلة المعادلة، في الكيل بالكيل، وفي الموزون بالوزن، وفي المعدود بالعد، والذهب والفضة موزونان.
وقوله عليه الصلاة والسلام: [ ( ولا تشفوا بعضها على بعض ) ] .
الشف: الزيادة أو النقص، والعوام يستعملونها، تذهب إلى الجزار وتقول: أبغى لحمًا مشفيًا، مشفي يعني: منقوص العظم، زائد اللحم ( لا تشفوا بعضها على بعض ) ، لا تقل: هذا مصنوع ومصوغ ودقة صفتها وصفتها، وهذا قديم ومكسر ويبغى له صياغة من جديد، لا تشفوا الناقص المكسر القديم على وزنه بالجديد أبدًا، تبغى ذهبًا بذهب مثلًا بمثل، وما تبغى مثلًا بمثل فبع هذا الذهب بفضة، واشتر ذاك الذهب الثاني بفضة، وتكون الفضة هي الوسيط، وبين الذهب والفضة لا ربا في الزيادة، ولكن يدًا بيد.
وقوله عليه الصلاة والسلام: [ ( ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل ) ] .
الورِق والورَق أو الوَرْقُ: هو النقد من الفضة خاصة { فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ } [الكهف:19] سبحان الله! يا إخواني! كم استوقفتني كلمة (هذه) ، فالورِق هو عملة، فالأصل أن يقولوا: ابعثوا واحدًا بالدراهم التي معكم لينظر لكم طعامًا ويشتريه، لكن التنصيص على (هَذِهِ) إعجاز القرآن أي: الموجودة معكم؛ لأنها هي مفتاح السر الذي سيكشف عنهم، فلما ذهب بتلك الورق التي معهم إلى المدينة، فالناس رءوا هذه العملة قديمة جدًا، فسألوه: من أين هذه؟! فالعملة (هَذِهِ) هي التي كشفت عن سر أصحاب الكهف لأهل المدينة! إذًا: الورق هو الفضة نقدًا.
وقوله عليه الصلاة والسلام: [ ( ولا تشفوا بعضها على بعض ) ] .
الفضة حكمها حكم الذهب في جميع التفصيلات السابقة، فإن كانت الفضة تبرًا، أو مضروبة دراهمًا، أو مصوغة حليًا، جديدة، قديمة، مكسرة، مغشوشة، سليمة، كله إذا كان فضة بفضة فهو مثل الذهب، وزنًا بوزن يدًا بيد.
وقوله عليه الصلاة والسلام: [ ( ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز ) ] ناجز أي: حاضر، فالصائغ عنده الحلية حاضرة، فلا يجوز لك أن تشتريها بدين لك على الصائغ، فهذا بيع حاضر بغائب، ولا يجوز التأخير، فمنع ربا الفضل في الفضة كما منع في الذهب، ومنع ربا النسيئة في الفضة كما منع في الذهب، فالذهب والفضة بنات خالة أو بنات عم.