و عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِى لَيْثٍ إِنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ يَأْثُرُ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ وَنَافِعٌ مَعَهُ. وَفِى حَدِيثِ ابْنِ رُمْحٍ قَالَ نَافِعٌ فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَنَا مَعَهُ وَاللَّيْثِىُّ حَتَّى دَخَلَ عَلَى أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ فَقَالَ إِنَّ هَذَا أَخْبَرَنِى أَنَّكَ تُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ إِلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَعَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إِلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ. فَأَشَارَ أَبُو سَعِيدٍ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى عَيْنَيْهِ وَأُذُنَيْهِ فَقَالَ أَبْصَرَتْ عَيْنَاىَ وَسَمِعَتْ أُذُنَاىَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَلاَ تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلاَ تُشِفُّوا بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ وَلاَ تَبِيعُوا شَيْئًا غَائِبًا مِنْهُ بِنَاجِزٍ إِلاَّ يَدًا بِيَدٍ » . (1)
وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَلاَ الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلاَّ وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ » (2) .
وعَنْ أَبِى قِلاَبَةَ قَالَ كُنْتُ بِالشَّامِ فِى حَلْقَةٍ فِيهَا مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ فَجَاءَ أَبُو الأَشْعَثِ قَالَ قَالُوا أَبُو الأَشْعَثِ أَبُو الأَشْعَثِ. فَجَلَسَ فَقُلْتُ لَهُ حَدِّثْ أَخَانَا حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. قَالَ نَعَمْ غَزَوْنَا غَزَاةً وَعَلَى النَّاسِ مُعَاوِيَةُ فَغَنِمْنَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً فَكَانَ فِيمَا غَنِمْنَا آنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا أَنْ يَبِيعَهَا فِى أَعْطِيَاتِ النَّاسِ فَتَسَارَعَ النَّاسُ فِى ذَلِكَ فَبَلَغَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ فَقَامَ فَقَالَ إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ إِلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى. فَرَدَّ النَّاسُ مَا أَخَذُوا فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ أَلاَ مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَحَادِيثَ قَدْ كُنَّا نَشْهَدُهُ وَنَصْحَبُهُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ. فَقَامَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ فَأَعَادَ الْقِصَّةَ ثُمَّ قَالَ لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ - أَوْ قَالَ وَإِنْ رَغِمَ - مَا أُبَالِى أَنْ لاَ أَصْحَبَهُ فِى جُنْدِهِ لَيْلَةً سَوْدَاءَ. (3)
و عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ » .
وفي رواية عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى الآخِذُ وَالْمُعْطِى فِيهِ سَوَاءٌ » . (4)
(1) - صحيح مسلم برقم ( 4139 )
تشف: تزيد وتفضل = الناجز: الحاضر =الورق: الفضة
(2) - صحيح مسلم برقم ( 4141 )
شرح النووي على مسلم - (ج 5 / ص 445)
قَالَ الْعُلَمَاء: هَذَا يَتَنَاوَل جَمِيع أَنْوَاع الذَّهَب وَالْوَرِق مِنْ جَيِّد وَرَدِيء ، وَصَحِيح وَمَكْسُور ، وَحُلِيّ وَتِبْر ، وَغَيْر ذَلِكَ ، وَسَوَاء الْخَالِص وَالْمَخْلُوط بِغَيْرِهِ ، وَهَذَا كُلّه مُجْمَع عَلَيْهِ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلِ سَوَاء بِسَوَاءٍ"يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْجَمْع بَيْن هَذِهِ الْأَلْفَاظ تَوْكِيدًا وَمُبَالَغَة فِي الْإِيضَاح .
(3) - صحيح مسلم برقم ( 4145 )
شرح النووي على مسلم - (ج 5 / ص 447)
2969 - قَوْله: ( فَرَدَّ النَّاس مَا أَخَذُوا ) هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْبَيْع الْمَذْكُور بَاطِل .
قَوْله: ( أَنَّ عُبَادَة بْن الصَّامِت قَالَ: لَأُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَة ) قَالَ: ( وَإِنْ رَغِمَ )
يُقَال: رَغِمَ بِكَسْرِ الْغَيْن وَفَتْحهَا ، وَمَعْنَاهُ: ذَلَّ وَصَارَ كَاللَّاصِقِ بِالرُّغَامِ ، وَهُوَ التُّرَاب ، وَفِي هَذَا الِاهْتِمَام بِتَبْلِيغِ السُّنَن وَنَشْر الْعِلْم وَإِنْ كَرِهَهُ مَنْ كَرِهَهُ لِمَعْنًى ، وَفِيهِ الْقَوْل بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ الْمَقُول لَهُ كَبِيرًا .
(4) - صحيح مسلم برقم ( 4147 و4148 )
شرح النووي على مسلم - (ج 5 / ص 448)
2970 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( الْبُرّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِير بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْر بِالتَّمْرِ وَالْمِلْح بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاء بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ فَإِذَا اِخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَاف فَبِيعُوا كَيْف شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ )
هَذَا دَلِيل ظَاهِر فِي أَنَّ الْبُرّ وَالشَّعِير صِنْفَانِ ، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَالثَّوْرِيِّ وَفُقَهَاء الْمُحَدِّثِينَ وَآخَرِينَ ، وَقَالَ مَالِك وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَمُعْظَم عُلَمَاء الْمَدِينَة وَالشَّام مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ: إِنَّهَا صِنْف وَاحِد ، وَهُوَ مَحْكِيّ عَنْ عُمَر وَسَعِيد وَغَيْرهمَا مِنْ السَّلَف - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ - وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الدَّخَن صِنْف ، وَالذُّرَة صِنْف وَالْأَرُزّ صِنْف إِلَّا اللَّيْث بْن سَعْد وَابْن وَهْب فَقَالَا: هَذِهِ الثَّلَاثَة صِنْف وَاحِد .
2971 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( فَمَنْ زَادَ أَوْ اِزْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى )
مَعْنَاهُ فَقَدْ فَعَلَ الرِّبَا الْمُحَرَّم ، فَدَافِع الزِّيَادَة وَآخُذهَا عَاصِيَانِ مُرْبِيَانِ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( يَدًا بِيَدٍ )
حُجَّة لِلْعُلَمَاءِ كَافَّة فِي وُجُوب التَّقَابُض وَإِنْ اِخْتَلَفَ الْجِنْس وَجَوَّزَ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة التَّفَرُّق عِنْد اِخْتِلَاف الْجِنْس ، وَهُوَ مَحْجُوج بِالْأَحَادِيثِ وَالْإِجْمَاع ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغهُ الْحَدِيث ، فَلَوْ بَلَغَهُ لَمَا خَالَفَهُ .
فيض القدير، شرح الجامع الصغير، الإصدار 2 - (ج 8 / ص 214)
4355 - (الذهب بالذهب) بالرفع أي بيع الذهب فحذف المضاف للعلم به أو مبتدأ حذف خبره أي الذهب يباع بالذهب أو بإسناد الفعل المبني للمفعول إليه أي يباع الذهب ويجوز نصبه أي بيعوا الذهب بالذهب (والفضة بالفضة والبرّ بالبر والشعير بالشعير) بفتح الشين على المشهور وحكي كسرها (والتمر بالتمر والملح بالملح مثلًا بمثل) أي حال كونهما متماثلين أي متساويين في القدر (يدًا بيد) أي نقدًا غير نسيئة (فمن زاد) على مقدار البيع الآخر من جنسه (أو استزاد) أي طلب الزيادة وأخذها (فقد أربى) أي فعل الربا المحرم (والآخذ والمعطي سواء) في اشتراكهما في الإثم لتعاونهما عليه فإن كلًا منهما آكل وموكل وألحق بهذه الستة ما في معناها المشارك لها في العلة فقال الشافعي: العلة في النقد الثمينة فلا يتعدى بكل موزون وفي البقية الطعم فيتعدى ووافقه مالك في النقد وجعل العلة في الأربعة للادخار وجعل أبو حنيفة العلة في النقد الوزن وفي الباقي الكيل فعداهما.
- (حم م ن) في الربا (عن أبي سعيد) الخدري ولم يخرجه البخاري.
شرح بلوغ المرام - (ج 197 / ص 7)
شرح حديث: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، ...)
قال رحمه الله: [ وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير بالشعير والتمر بالتمر ) ] .
قدم المؤلف رحمه الله حديث أبي سعيد في الذهب والفضة؛ لأن أكثر ما يكون الربا، في المعاملات فيهما، ثم جاء بالحديث الثاني وفيه ( البر بالبر ) ، ما هو البر؟ أظنه معروفًا في العالم كله، ويسمى البر، أو الحنطة، أو القمح، وكل هذه كما يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: مترادفات على مسمى واحد، كما تقول: الأسد والغضنفر والهزبر و و الخ.
لكن بعض العلماء ينفي توارد الأسماء على مسمى واحد الذي هو الترادف، ويقول ابن تيمية رحمه الله: هناك سر، فإذا وجدت عدة أسماء لمسمى واحد؛ فكل اسم منها يختص بصفة في المسمى، إذا قلت: أسد، فهذا للجنس يشمل الصغير والكبير والمريض والمتعافي، وإذا قلت: هزبر، فمعناه أنه في حالة النشاط والقوة، وإذا قلت: غضنفر، فمعناه أنه ضخم وكبير، وهذا كله راجع لعين واحدة، ولكن روعيت صفاته، فكان لكل صفة اسم تشير إلى المعنى المنطلق منه.
فالحنطة والبر والقمح كلها أسماء لمسمى واحد، ويراعى فيها الجودة والنوعية، وربما أننا نعرف أربعة أو خمسة أصناف موجودة، إذًا: هذا الصنف من الحبوب سمه ما شئت: قمحًا، برًا، حنطة، فإذا بيع بجنسه فيجب التماثل والتقابض، صاع بر مديني بصاع بر شامي، تفاوتت صفات كل منهما وخواصه، فيوجد نوع من الحنطة يسمى العرق إذا طحن وعجن صارت العجينة مثل المطاط، ونوع إذا سحبته قليلًا تقطع مثل الذرة، فالذرة ما لها عرق، والقمح له عرق، ويتفاوت، ومهما تفاوت في صنفه، أو في لونه، أو في حجمه، حبة كبيرة وحبة صغيرة، ما دام المسمى بهذه الاسم (حنطة بحنطة) ، فلا تباع الحنطة بالحنطة إلا مثلًا بمثل يدًا بيد.
وأما الشعير فأعتقد أن العالم كله يعرف الشعير، ولكن كما يقول أهل الفلاحة: الشعير نوعان: شعير يسميه العامة شعير الحمير، وهو للعلف، وشعير يناسب كبار السن، يجعل لهم منه الخبز، فيكون لينًا سهل الهضم، ولا يكون معه إمساك عند كبار السن، ويدخل في الأدوية، فمهما كان صنفه شعير بشعير، أمريكي فرنسي للعلف أو للأكل، فكله شعير، و مالك رحمه الله يجعل -في الربويات والزكاة- البر والشعير صنفًا واحدًا، ففي الزكاة إذا كان عنده ثلاثة أوسق برًا، ووسقان شعير، فقال: يكمّل بعضهما بعضًا؛ لأنهما جنسٌ واحد ويزكي.
والجمهور يقولون: لا، ما كمل عنده النصاب، هذا بر ثلاثة أوسق، وليس فيها زكاة، وهذا شعير وسقان وليس فيها زكاة، فلا زكاة عليه فيهما؛ لأن الحديث هنا ذكر الصنفين، ولو كان صنفًا واحدًا لاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر.
إذًا: ( البر بالبر والشعير بالشعير مثلًا بمثل ) ، لكن لو بعنا البر بالشعير صاع بر بصاعين أو بثلاثة آصع شعير يجوز بشرط أن يكون هاء وهاء، يدًا بيد، فإن قال: خذ البر واذهب وأعطني الشعير، لا يجوز، بل يكون كلاهما حاضرًا: ( ولا تبع ناجزًا بغائب ) .
الربا في التمر
قال عليه الصلاة والسلام: ( والتمر بالتمر ) ، التمر تتعدد أصنافه، وبعض من كتب عن تمر المدينة قديمًا أوصله إلى مائتي صنف، وسمى كل صنف ووصفه، ومن الأسماء المشهورة: الحلوة، والحلية، والبرني، والشلبي، والصفاوي، وما لم يعرف له اسم عند الناس يسمى لونة، أو الجمع المختلط من عدة أشكال، فلو باع صاع تمر صفاوي بصاع تمر حلية فيشترط التماثل والتقابض، وتمر الحلية، تمر صغير، إذا يبس صار مثل الخشب، ولكن إذا لان فهو أقوى أنواع التمر طاقة مع الحلاوة، وأقوى أنواع العلف للحيوانات، وتمر الحلية قيمته ضعف تمر الحلوة، ولا يستوي هذا مع هذا، والآن بعض أنواع التمور الكيلو بمائتين ريال، وبعض منها بعشرة ريالات أو بسبعة ريالات، فلو قال إنسان: كيف أبيع هذا بهذا مثلًا بمثل؟! يا أخي! بع تمرك الجيد بالدراهم، بع الصاع بدراهم، واشتر بقيمة الصاع الواحد عشرين صاعًا من هذا، ولا يوجد مانع، تغاير الثمن عن المثمن فجاز التفاضل.
إذًا: التمر بالتمر قضية عامة، وسيأتي حديث تمر خيبر الجنيب: ( أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، إنا نأخذ الصاع بالصاعين ) ، وذلك كما يقول ابن عبد البر: كنا نرزق التمر، فنبيع الصاعين بالصاع، فنهينا عن ذلك، وسيأتي له زيادة بيان.
إذًا: التمر بالتمر أيًا كان نوعه من المائتي صنف، إذا كان التمر ثمنًا ومثمنًا فلا بد أن يكون بالكيل سواء بسواء، وما كان يباع بالكيل عرفًا فلا يجوز بيعه بجنسه وزنًا، والتمر مكيل أو موزون؟ الأصل فيه أنه مكيل، ويرجع في معرفة المكيل والموزون إلى عرف مكة والمدينة، فما كان مكيلًا في المدينة فعرفه الشرعي الكيل، وما كان موزونًا في مكة فعرفه الشرعي الوزن، فالتمر بالتمر مثلًا بمثل، وعرف التمر الكيل، فإذا أخذنا أحسن صنف من التمر في صاع ووضعناه في كفة، وأخذنا أردأ أنواع التمر في صاع ووضعناه في كفة أخرى، فهل يكون هناك زيادة في الحجم المكعب بين الصنفين أو يكونان متساويين؟ متساويين مثلًا بمثل، لكن إذا غايرنا العرف فيه، وبعنا كيلو بكيلو، فهل يتفق الحجم المكعب في كيلو تمر الصفاوي مع الشلبي الذي هو خفيف أو الحلية الذي هو أثقل؟ هل يتفق التماثل في الحجم المكعب؟ لا، ما يتفق، إذًا: هل حصلت المثلية؟ لا، والجهل بالمساواة كالعلم بالزيادة؛ ولهذا لا يجوز بيع صنف ربوي بجنسه إن كان مكيلًا إلا بعرفه الكيل، وإن كان موزونًا فبعرفه الوزن، فإذا غايرنا العرف، اختلف المقدار، ودخلنا في الجهالة بالمساواة، والجهالة بالمساواة كالعلم بالزيادة؛ لأننا نقطع بأن هناك زيادة، إذًا: التمر بالتمر مثلًا بمثل، وتعرف المثلية فيه بالكيل، ويكون الحجم واحدًا، ولكن العرف يختلف، وباختلاف العرف يتفاوت الحجم، فالتمر بالتمر مثلًا بمثل بالكيل؛ لأن عرفه الكيل.
والذهب يوزن ولا يكال، فلو وضعت ذهبًا مكسرًا قدر نصف صاع، وقلت: أعطني ذهبًا جديدًا نصف صاع، هل يتعادل الذهبان؟ لا يتعادل، لو وضعت حلقات وخواتم قدر نصف صاع، ووضعت ذهبًا آخر مصوغًا ومكسرًا قدر نصف صاع، فهل حصلت مماثلة بالكيل أو لا؟ لا؛ لأن الذهب يتماثل بالوزن.
إذًا: لا يجوز بيع الصنف بالصنف بغير عرفه، فلا يجوز بيع الصنف الربوي المكيل بصنفه موزونًا، ولا الموزون مكيلًا؛ لأن اختلاف عرف التقدير يأتي بالزيادة، ويأتي بالربا.
الربا في الملح
قال عليه الصلاة والسلام: [ ( والملح بالملح ) ] .
الملح عظيم القدر، حتى ذكر مع الذهب والفضة، ومع البر والشعير والتمر، ولا غنى لأحد عن الملح، لكن إذا زاد يفسد، والملح قسمان: ملح جبلي، وهو معدني.
وملح بحري.
وما كل بحر يخرج منه الملح، فمياه البحار فيها العديد من الأملاح، وبحيرة لوط خاصة فيها أنواع من الأملاح، وملح الطعام يؤخذ مما يسمونه الملاحة، وهي بقاع من الأرض يتجمع فيها الماء، وغالبًا تكون الأرض سبخة مالحة، فإذا طفح الماء من منبعه، وامتلأت الحفرة، ترك الماء يتعرض للشمس، وتبخر الماء وترسب الملح، فيجمع ويكوّم ويجفف ويعبأ في الأكياس وينزل به إلى الأسواق، هذا ملح مائي، وليس معناه أن تذهب إلى البحر الأحمر وتستخرج ملح الطعام مباشرة، لا يوجد، وإن وجد فبمقدار قليل مع أملاح أخرى (صوديوم وفسفور وفسفات) ، وكل هذه يمكن استخراجها من المحيطات، ولكن ملح الطعام إما يستخرج من منقع ماء في أرض سبخة وإما من معدن في جبل، وفي أفريقيا بعض الجبال فيها عرق الملح، كما يوجد فيها عرق الذهب، وعرق الفضة، وعرق النحاس، كما يوجد فيها أحجار تحمل كحل الإثمد، تجد حجرة مثل الليمونة أو البرتقالة وفيها كحل العين، لا يكون فيها طين أو تراب، بل يكون فيها كحل من أجود أنواع الإثمد، مطحون وجاهز.
والملح المعدني يدق؛ لأنه حجر مثل الرخام، وكيفية استعماله: أن يكسر منه قطعًا مثل علب الكبريت مثلًا، وتضعها في الماء، وتحركها في الماء حتى يستحلب منها الملح، كما أنه إذا وضع الملح في الماء فإنه يذوب نهائيًا، سواء كان ملحًا معدنيًا أو ملحًا مائيًا.
وهل الملح يكال أو يوزن في العرف؟ يكال، فإذا أردت أن تبيع ملحًا بملح ولو معدني بمائي فالجنس واحد، فيشترط التماثل والتقابض كما في أجناس البر وأجناس التمر، وكذلك الآن الرز أصناف، بل قالوا: فيه رز صناعي ورز نباتي، والذي يدخل في الربا الرز النباتي، لا الصناعي، ويهمنا هنا قوله: ( والملح بالملح مثلًا بمثل ) ، فلا يجوز فيه الزيادة، ولا يجوز فيه التأخير.
وقوله عليه الصلاة والسلام: [ ( مثلًا بمثل سواء بسواء يدًا بيد ) ] .
( سواء بسواء ) أي: متعادل (يدًا بيد) ، وفي بعض الروايات: ( هاء وهاء ) ( ها وها ) ، ( هاك وهاك ) ، وهذه اسم فعل كما يقول ابن مالك: بمعنى: خذ، هات.
القاعدة العامة في معرفة الربا
قال عليه الصلاة والسلام: [ ( فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم ) ] .
هذا هي القاعدة العامة، فإذا اتحدت هذه الأصناف: ذهب بذهب، فضة بفضة، بر ببر، شعير بشعير، تمر بتمر، ملح بملح، وكان الثمن والمثمن من جنس واحد، فلا تشفوا بعضها على بعض، مثلًا بمثل، ويدًا بيد، وإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم.
فإذا كان الثمن جنسًا، والمثمن جنسًا آخر، مثلًا: باع ذهبًا بفضة، فهل اتحد الجنس أو اختلف؟ اختلف، وهكذا: باع تمرًا ببر اختلف، فإذا اختلفت هذه الأجناس، وأصبح المبيع يغاير الثمن، والثمن يغاير المبيع، وإن كان كلًا منهما ربوي، وإن كان كلًا منهما من الأصناف الستة؛ ( فبيعوا كيف شئتم ) ، بمعنى: صاع بصاعين، صاع بعشرة، لا يوجد مانع، ولكن بقيد: يدًا بيد، ( فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد ) ، فإذا كان عندك البر، وعنده التمر، واشتريت التمر ببر، ويمكن التمر يكون أحسن، والصاع فيه بصاعين بر أو بالعكس كما فعل معاوية ، نصف صاع يعادل صاعًا، فهل يجوز أن تبيع البر نصف صاع بصاع تمر إلى بعد يوم؟ لا، ولا يؤخر دقيقة، ولا بد أن يكون الصنفان موجودين، خذ وهات.
إلى هنا إن شاء الله يكون قد اتضح لنا صور بيع الربويات الست بعضها ببعض إذا اختلفت أجناسها، ثم بعد ذلك تبقى عندنا مسألة: هل يقتصر الحكم على هذه الأصناف الستة أو يلحق بها غيرها؟ وإذا كان يلحق بها غيرها، فبأي علة يكون الإلحاق؟ سنتكلم على هذا في الدرس القادم.
وبالله تعالى التوفيق.