و عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّهُ قَالَ مَنْ عِنْدَهُ صَرْفٌ فَقَالَ طَلْحَةُ أَنَا حَتَّى يَجِىءَ خَازِنُنَا مِنَ الْغَابَةِ . قَالَ سُفْيَانُ هُوَ الَّذِى حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِىِّ لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ . فَقَالَ أَخْبَرَنِى مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ » (1)
(1) - صحيح البخارى برقم ( 2134 )
فتح الباري لابن حجر - (ج 6 / ص 500)
قَوْله: ( أَنَّهُ اِلْتَمَسَ صَرْفًا )
بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ مِنْ الدَّرَاهِمِ بِذَهَبٍ كَانَ مَعَهُ ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ اللَّيْث فِي رِوَايَتِهِ عَنْ اِبْن شِهَاب وَلَفْظه"عَنْ مَالِك بْن أَوْس بْن الْحَدَثَانِ قَالَ: أَقْبَلْت أَقُولُ مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِم ؟".
قَوْله: ( فَتَرَاوَضْنَا )
بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ تَجَارَيْنَا الْكَلَام فِي قَدْر الْعِوَض بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ كَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ يُرَوِّضُ صَاحِبَهُ وَيُسَهِّلُ خُلُقَهُ ، وَقِيلَ الْمُرَاوَضَة هُنَا الْمُوَاصَفَة بِالسِّلْعَةِ ، وَهُوَ أَنْ يَصِفَ كُلٌّ مِنْهُمَا سِلْعَته لِرَفِيقِهِ .
قَوْله: ( فَأَخَذَ الذَّهَب يُقَلِّبُهَا )
أَيْ الذَّهَبَةِ ، وَالذَّهَبُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ فَيُقَالُ ذَهَبٌ وَذَهَبَةٌ . أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ ضَمَّنَ الذَّهَبَ مَعْنَى الْعَدَد الْمَذْكُور وَهُوَ الْمِائَةُ فَأَنَّثَهُ لِذَلِكَ ، وَفِي رِوَايَة اللَّيْث"فَقَالَ طَلْحَة إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعْطِيك وَرِقَك"وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَة الْخَازِن الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ طَلْحَة .
قَوْله: ( مِنْ الْغَابَةِ )
بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَةٌ يَأْتِي شَرْح أَمْرِهَا فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ فِي قِصَّة تَرِكَة الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام ، وَكَأَنَّ طَلْحَة كَانَ لَهُ بِهَا مَالٌ مِنْ نَخْل وَغَيْرِهِ وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْن عَبْد الْبَرّ .
قَوْله: ( حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ )
أَيْ عِوَض الذَّهَب ، فِي رِوَايَة اللَّيْث"وَاللَّه لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ"فَذَكَرَهُ .
قَوْله: ( الذَّهَب بِالْوَرِقِ رِبًا )
قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِك فِيهِ وَحَمَلَهُ عَنْهُ الْحُفَّاظ حَتَّى رَوَاهُ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ مَالِك ، وَتَابَعَهُ مَعْمَر وَاللَّيْث وَغَيْرهُمَا ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحُفَّاظُ عَنْ اِبْن عُيَيْنَة . وَشَذَّ أَبُو نُعَيْم عَنْهُ فَقَالَ"الذَّهَب بِالذَّهَبِ"كَذَلِكَ رَوَاهُ اِبْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَيَجُوزُ فِي قَوْلِهِ"الذَّهَب بِالْوَرِقِ"الرَّفْعُ أَيْ بَيْع الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ فَحَذَفَ الْمُضَاف لِلْعِلْمِ بِهِ ، أَوْ الْمَعْنَى الذَّهَب يُبَاعُ بِالذَّهَبِ ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ أَيْ بِيعُوا الذَّهَبَ ، وَالذَّهَبُ يُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِهِ الْمَضْرُوبَةِ وَغَيْرِهَا ، وَالْوَرِقِ الْفِضَّة وَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَبِإِسْكَانِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَيَجُوزُ فَتْحُهُمَا ، وَقِيلَ بِكَسْرِ الْوَاوِ الْمَضْرُوبَةُ وَبِفَتْحِهَا الْمَالُ ، وَالْمُرَادُ هُنَا جَمِيع أَنْوَاعِ الْفِضَّةِ مَضْرُوبَةً وَغَيْرَ مَضْرُوبَةٍ .
قَوْله: ( إِلَّا هَاء وَهَاء )
بِالْمَدِّ فِيهِمَا وَفَتْح الْهَمْزَة ، وَقِيلَ بِالْكَسْرِ ، وَقِيلَ بِالسُّكُونِ ، وَحُكِيَ الْقَصْر بِغَيْرِ هَمْز وَخَطَّأَهَا الْخَطَّابِيّ ، وَرَدَّ عَلَيْهِ النَّوَوِيّ وَقَالَ: هِيَ صَحِيحَةٌ لَكِنْ قَلِيلَة وَالْمَعْنَى خُذْ وَهَاتِ ، وَحُكِيَ"هَاك"بِزِيَادَة كَاف مَكْسُورَة وَيُقَالُ"هَاءِ"بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ بِمَعْنَى هَاتِ وَبِفَتْحِهَا بِمَعْنَى خُذْ بِغَيْرِ تَنْوِين ، وَقَالَ اِبْن الْأَثِيرِ: هَاء وَهَاء هُوَ أَنْ يَقُولَ كُلّ وَاحِد مِنْ الْبَيِّعَيْنِ هَاء فَيُعْطِيه مَا فِي يَدِهِ كَالْحَدِيثِ الْآخَرِ"إِلَّا يَدًا بِيَد"يَعْنِي مُقَابَضَةً فِي الْمَجْلِسِ . وَقِيلَ مَعْنَاهُ خُذْ وَأَعْطِ ، قَالَ وَغَيْر الْخَطَّابِيِّ يُجِيزُ فِيهَا السُّكُونَ عَلَى حَذْف الْعِوَض وَيَتَنَزَّلُ مَنْزِلَة"هَا"الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ . وَقَالَ اِبْن مَالِك: هَا اِسْم فِعْلٍ بِمَعْنَى خُذْ ، وَإِنْ وَقَعَتْ بَعْد إِلَّا فَيَجِبُ تَقْدِيرُ قَوْلٍ قَبْلَهُ يَكُونُ بِهِ مَحْكِيًّا فَكَأَنَّهُ قِيلَ: وَلَا الذَّهَب بِالذَّهَبِ إِلَّا مَقُولًا عِنْدَهُ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ هَاء وَهَاء . وَقَالَ الْخَلِيل: كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الْمُنَاوَلَةِ ، وَالْمَقْصُود مِنْ قَوْلِهِ"هَاء وَهَاء"أَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لِصَاحِبِهِ هَاء فَيَتَقَابَضَانِ فِي الْمَجْلِسِ قَالَ اِبْن مَالِك: حَقُّهَا أَنْ لَا تَقَعَ بَعْدُ إِلَّا كَمَا لَا يَقَعُ بَعْدَهَا خُذْ ، قَالَ: فَالتَّقْدِيرُ لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مَقُولًا بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ هَاء وَهَاء . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ فِي الصَّرْفِ فِي الْمَجْلِسِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ ، وَعَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ الصَّرْفُ إِلَّا عِنْدَ الْإِيجَابِ بِالْكَلَامِ ، وَلَوْ اِنْتَقَلَا مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إِلَى آخَرَ لَمْ يَصِحَّ تَقَابُضهمَا ، وَمَذْهَبه أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ تَرَاخِي الْقَبْض فِي الصَّرْفِ سَوَاء كَانَا فِي الْمَجْلِسِ أَوْ تَفَرَّقَا ، وَحُمِلَ قَوْلُ عُمَرَ"لَا يُفَارِقُهُ"عَلَى الْفَوْرِ حَتَّى لَوْ أَخَّرَ الصَّيْرَفِيُّ الْقَبْضَ حَتَّى يَقُومَ إِلَى قَعْوِ دُكَّانِهِ ثُمَّ يَفْتَحَ صُنْدُوقَهُ لَمَا جَازَ .
قَوْله: ( الْبُرّ بِالْبُرِّ )
بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ رَاء مِنْ أَسْمَاء الْحِنْطَة ، وَالشَّعِير بِفَتْح أَوَّلِهِ مَعْرُوف وَحُكِيَ جَوَازُ كَسْرِهِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْبُرَّ وَالشَّعِيرَ صِنْفَانِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ مَالِك وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ فَقَالُوا هُمَا صِنْف وَاحِد ، قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْكَبِيرَ يَلِي الْبَيْع وَالشِّرَاء لِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ وُكَلَاء وَأَعْوَان يَكْفُونَهُ . وَفِيهِ الْمُمَاكَسَةُ فِي الْبَيْعِ وَالْمُرَاوَضَة وَتَقْلِيب السِّلْعَة ، وَفَائِدَته الْأَمْن مِنْ الْغَبْنِ ، وَأَنَّ مِنْ الْعِلْمِ مَا يَخْفَى عَلَى الرَّجُلِ الْكَبِيرِ الْقَدْر حَتَّى يُذَكِّرَهُ غَيْرُهُ ، وَأَنَّ الْإِمَامَ إِذَا سَمِعَ أَوْ رَأَى شَيْئًا لَا يَجُوزُ يَنْهَى عَنْهُ وَيُرْشِدُ إِلَى الْحَقِّ ، وَأَنَّ مَنْ أَفْتَى بِحُكْمٍ حَسَنٍ أَنْ يَذْكُرَ دَلِيله ، وَأَنْ يَتَفَقَّدَ أَحْوَالَ رَعِيَّتِهِ وَيَهْتَمَّ بِمَصَالِحِهِمْ .
وَفِيهِ الْيَمِينُ لِتَأْكِيدِ الْخَبَرِ ، وَفِيهِ الْحُجَّةُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَأَنَّ الْحُجَّةَ عَلَى مَنْ خَالَفَ فِي حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ حَدِيثِ رَسُولِهِ . وَفِيهِ أَنَّ النَّسِيئَةَ لَا تَجُوزُ فِي بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ فِيهِمَا مَعَ تَفَاضُلِهِمَا بِالنَّسِيئَةِ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَجُوزَ فِي الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَهُوَ جِنْسٌ وَاحِدٌ ، وَكَذَا الْوَرِق بِالْوَرِقِ ، يَعْنِي إِذَا لَمْ تَكُنْ رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق وَمَنْ تَابَعَهُ مَحْفُوظَةً فَيُؤْخَذُ الْحُكْمُ مِنْ دَلِيلِ الْخِطَابِ ، وَقَدْ نَقَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَغَيْره الْإِجْمَاع عَلَى هَذَا الْحُكْمِ ، أَيْ التَّسْوِيَةِ فِي الْمَنْعِ بَيْنَ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَبَيْنَ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ فَيُسْتَغْنَى حِينَئِذٍ بِذَلِكَ عَنْ الْقِيَاسِ .
شرح ابن بطال - (ج 11 / ص 268)
قال المؤلف: لا يجوز بيع ما ليس عندك ولا في ملكك وضمانك من الأعيان المكيلة والموزونة والعروض كلها، لنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
وروى النهى عن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن عن النبى صلى الله عليه وسلم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ومن حديث حكيم بن حزام، ولم يكن إسناده من شرط البخارى، فاستنبط معناه من حديث مالك بن أوس، وذلك أنه يدخل من باب بيع ما ليس عندك بالمعنى ما يكون في ملكك غائبًا من الذهب والفضة، لا يجوز بيع غائب منها بناجز، وكذلك البر والتمر والشعير لا يباع شىء منها بجنسه ولا بطعام مخالف لجنسه إلا يدًا بيد، وكذلك ما كان في معناها من سائر أنواع الطعام، لا يباع منها طعام بطعام إلا يدًا بيد، لقوله عليه السلام: « إلا هاء وهاء » ، يعنى خذ وأعط حياطة من الله - تعالى - لأصول الأموال وحرزًا لها إلا ما خصت السنة بالجواز من بيع ما ليس عندك ومن ربح ما لم يضمن وهو السلم، فجوزت فيه بيع ما ليس عندك مما يكون في الذمة من غير الأعيان، توسعة من الله - تعالى - لعباده ورفقًا بهم.
قال ابن المنذر: وبيع ما ليس عندك يحتمل معنيين: يحتمل أن يقول: أبيعك عبدًا لى أو دارًا مغيبة عنى في وقت البيع، فلعل الدار أن تتلف أو لا يرضاها، وهذا يشبه بيع الغرر، ويحتمل أن يقول: أبيعك هذه الدار بكذا على أن أشتريها لك من صاحبها، أو على أن يسلمها لك صاحبها، وهذا مفسوخ على كل حال، لأنه غرر، إذ قد يجوز أن لا يقدر على تلك السلعة، أو لا يسلمها إليه مالكها، وهذا أصح القولين عندى، لأنى لا أعلمهم يختلفون أنه يجوز أن أبيع جارية رآها المشترى ثم غابت عنى وتوارت بجدار وعقدنا البيع ثم عادت إلى، فإذا أجاز الجميع هذا البيع لم يكن فرق بين أن تغيب عنى بجدار أو تكون بينى وبينها مسافة وقت عقد البيع.
وقال غيره: ومن بيع ما ليس عندك العينة، وهى ذريعة إلى دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل، كأن رجلا سأل رجلا أن يسلفه دراهم بدراهم أكثر منها فقال له: هذا لا يحل، ولكن أبيعك في الدراهم التى سألتنى سلعة كذا ليست عندى، أبتاعها لك فبكم تشتريها منى؟ فيوافقه على الثمن يبتاعها ويسلمها إليه، فهذه العينة المكروهة، وهى بيع ما ليس عندك وبيع ما لم تقبضه، فإن وقع هذا البيع فسخ عند مالك في مشهور مذهبه وعند جماعة العلماء، وقيل للبائع: إن أعطيت السلعة لمبتاعها منك بما اشتريتها جاز ذلك، وكأنك إنما أسلفته الثمن الذى ابتاعها به.
وقد روى عن مالك أنه لا يفسخ البيع، لأن المأمور كان ضامنًا للسلعة لو هلكت. قال ابن القاسم: وأحب إلى لو تورع عن أخذ ما ازداده عليه. وقال عيسى بن دينار: بل يفسخ البيع إلا أن تفوت السلعة، فتكون فيها القيمة، وعلى هذا سائر العلماء بالحجاز والعراق.
شرح الأربعين النووية - (ج 1 / ص 461)
الغريب:
إلا هاء وهاء: فيهما لغات، أشهرها المد وفتح الهمزة فيهما، ومعناه التقابض.
المعنى الإجمالي: يبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، كيفية البيع الصحيح بين هذه الأنواع، التي يجرى فيها الربا، وهو أنه من باع ذهبا بفضة أو بالعكس، فلا بد من الحلول والتقابض في مجلس العقد، وإلا لما صح العقد، لأن هذه مصارفة، يشترط لدوام صحتها التقابض.
كما أن من باع- برا بِبُر، أو شعيرا بشعير، فلابد من التقابض بينهما، في مجلس العقد لما بين هذه الأنواع من علة الربا المفسدة للعقد، إذا حصل التفرق قبل القبض.
ما يستفاد من الحديث:
1-تحريم بيع الذهب بالفضة أو العكس، وفساده إذا لم يتقابض المتبايعان قبل التفرق من مجلس العقد، وهذه هي المصارفة.
2-تحريم بيع البر بالبر، أو الشعير بالشعير. وفساده، إذا لم يتقابض المتبايعان قبل التفرق من مجلس العقد.
3-صحة العقد إذا حصل القبض في المصارفة. أو بيع البر بالبر، أو الشعير بالشعير، في مجلس العقد.
4-يراد بمجلس العقد مكان التبايع، سواء أكانا جالسين، أم ماضيين، أم راكبين. ويراد بالتفرق ما يُعَد تفرقا عرفا، بين الناس.