فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 1226

وعَنِ الأَوْزَاعِىِّ قَالَ حَدَّثَنِى عَطَاءُ بْنُ أَبِى رَبَاحٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ لَقِىَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ أَرَأَيْتَ قَوْلَكَ فِى الصَّرْفِ أَشَيْئًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَمْ شَيْئًا وَجَدْتَهُ فِى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَلاَّ لاَ أَقُولُ أَمَّا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِهِ وَأَمَّا كِتَابُ اللَّهِ فَلاَ أَعْلَمُهُ وَلَكِنْ حَدَّثَنِى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « أَلاَ إِنَّمَا الرِّبَا فِى النَّسِيئَةِ » . (1)

و عن ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ الزَّيَّاتَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ - رضى الله عنه - يَقُولُ الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ .

فَقُلْتُ لَهُ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لاَ يَقُولُهُ . فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ سَأَلْتُهُ فَقُلْتُ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - ، أَوْ وَجَدْتَهُ فِى كِتَابِ اللَّهِ قَالَ كُلُّ ذَلِكَ لاَ أَقُولُ ، وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنِّى ، وَلَكِنَّنِى أَخْبَرَنِى أُسَامَةُ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « لاَ رِبًا إِلاَّ فِى النَّسِيئَةِ » (2)

(1) - صحيح مسلم برقم ( 4175 )

(2) - صحيح البخارى برقم ( 2178 و2179)

فتح الباري لابن حجر - (ج 7 / ص 6)

قَوْله: ( فَقَالَ كُلَّ ذَلِكَ لَا أَقُولُ )

بِنَصْبِ"كُلَّ"؛ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ ، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى نَظِير قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ"كُلَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ"فَالْمَنْفِيّ هُوَ الْمَجْمُوعُ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِم"فَقَالَ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا وَجَدْتُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ"وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاء"أَنَّ أَبَا سَعِيد لَقِيَ اِبْن عَبَّاس"فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَفِيهِ"فَقَالَ كُلّ ذَلِكَ لَا أَقُولُ ، أَمَّا رَسُولُ اللَّهِ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِهِ ، وَأَمَّا كِتَابُ اللَّهِ فَلَا أَعْلَمُهُ"أَيْ لَا أَعْلَمُ هَذَا الْحُكْم فِيهِ ، وَإِنَّمَا قَالَ لِأَبِي سَعِيد"أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنِّي"لِكَوْن أَبِي سَعِيد وَأَنْظَارِهِ كَانُوا أَسَنَّ مِنْهُ وَأَكْثَر مُلَازَمَة لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي السِّيَاقِ دَلِيل عَلَى أَنَّ أَبَا سَعِيد وَابْن عَبَّاس مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ لَا تُطْلَبُ إِلَّا مِنْ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ .

قَوْله: ( لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ )

فِي رِوَايَةِ مُسْلِم"الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ"وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن أَبِي يَزِيد وَعَطَاءٍ جَمِيعًا عَنْ اِبْن عَبَّاس"إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ"زَادَ فِي رِوَايَة عَطَاء"أَلَا إِنَّمَا الرِّبَا"وَزَاد فِي رِوَايَةِ طَاوُس عَنْ اِبْن عَبَّاس"لَا رِبًا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَد"وَرَوَى مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَة قَالَ"سَأَلْت اِبْن عَبَّاس عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ: أَيَدًا بِيَد ؟ قُلْت: نَعَمْ ، قَالَ فَلَا بَأْسَ . فَأَخْبَرْت أَبَا سَعِيد فَقَالَ: أَوَقَالَ ذَلِكَ ؟ إِنَّا سَنَكْتُبُ إِلَيْهِ فَلَا يُفْتِيكُمُوهُ"وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي نَضْرَة"سَأَلْت اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس عَنْ الصَّرْفِ فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا ، فَإِنِّي لَقَاعِدٌ عِنْد أَبِي سَعِيد فَسَأَلْتُهُ عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ: مَا زَادَ فَهُوَ رِبًا ، فَأَنْكَرْت ذَلِكَ لِقَوْلِهِمَا . فَذَكَرَ الْحَدِيث قَالَ"فَحَدَّثَنِي أَبُو الصَّهْبَاءِ أَنَّهُ سَأَلَ اِبْن عَبَّاس عَنْهُ بِمَكَّةَ فَكَرِهَهُ". وَالصَّرْفُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ: دَفْع ذَهَبٍ وَأَخْذ فِضَّةٍ وَعَكْسُهُ ، وَلَهُ شَرْطَانِ: مَنْع النَّسِيئَة مَعَ اِتِّفَاقِ النَّوْعِ وَاخْتِلَافِهِ وَهُوَ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ ، وَمَنْع التَّفَاضُل فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ مِنْهُمَا وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ . وَخَالَفَ فِيهِ اِبْن عُمَر ثُمَّ رَجَعَ ، وَابْن عَبَّاس وَاخْتَلَفَ فِي رُجُوعِهِ وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيق حَيَّانَ الْعَدَوِيّ وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ"سَأَلْت أَبَا مِجْلَز عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ: كَانَ اِبْن عَبَّاس لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا زَمَانًا مِنْ عُمْرِهِ مَا كَانَ مِنْهُ عَيْنًا بِعَيْن يَدًا بِيَد ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ فَلَقِيَهُ أَبُو سَعِيد"فَذَكَرَ الْقِصَّة وَالْحَدِيث ، وَفِيهِ"التَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ يَدًا بِيَدٍ مِثْلًا بِمِثْل ، فَمَنْ زَادَ فَهُوَ رِبًا ، فَقَالَ اِبْن عَبَّاس: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ، فَكَانَ يَنْهَى عَنْهُ أَشَدَّ النَّهْيِ". وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى صِحَّةِ حَدِيثِ أُسَامَةَ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْن حَدِيث أَبِي سَعِيد فَقِيلَ: مَنْسُوخ ، لَكِنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ . وَقِيلَ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ"لَا رِبًا"الرِّبَا الْأَغْلَظ الشَّدِيد التَّحْرِيم الْمُتَوَعَّد عَلَيْهِ بِالْعِقَابِ الشَّدِيدِ كَمَا تَقُولُ الْعَرَب لَا عَالِمَ فِي الْبَلَدِ إِلَّا زَيْدٌ مَعَ أَنَّ فِيهَا عُلَمَاء غَيْرَهُ ، وَإِنَّمَا الْقَصْدُ نَفْيُ الْأَكْمَل لَا نَفْيُ الْأَصْلِ ، وَأَيْضًا فَنَفْيُ تَحْرِيم رِبَا الْفَضْل مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ إِنَّمَا هُوَ بِالْمَفْهُومِ ، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ حَدِيث أَبِي سَعِيد لِأَنَّ دَلَالَتَهُ بِالْمَنْطُوقِ ، وَيُحْمَلُ حَدِيث أُسَامَةَ عَلَى الرِّبَا الْأَكْبَرِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّه أَعْلَمُ . وَقَالَ الطَّبَرِيّ: مَعْنَى حَدِيث أُسَامَة"لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ"إِذَا اِخْتَلَفَتْ أَنْوَاع الْبَيْعِ وَالْفَضْل فِيهِ يَدًا بِيَد رِبًا جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْن حَدِيث أَبِي سَعِيد ."

( تَنْبِيه:

وَقَع فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ هُنَا"قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه"يَعْنِي الْبُخَارِيّ"سَمِعْتُ سُلَيْمَان بْن حَرْب يَقُولُ: لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ هَذَا عِنْدَنَا فِي الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ وَالْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ مُتَفَاضِلًا وَلَا بَأْسَ بِهِ يَدًا بِيَد وَلَا خَيْر فِيهِ نَسِيئَة"قُلْت: وَهَذَا مُوَافِق وَفِي قِصَّة أَبِي سَعِيد مَعَ اِبْن عُمَر وَمَعَ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الْعَالِمَ يُنَاظِرُ الْعَالِمَ وَيُوقِفُهُ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ وَيَرُدُّهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ إِلَى الِاجْتِمَاعِ وَيَحْتَجُّ عَلَيْهِ بِالْأَدِلَّةِ وَفِيهِ إِقْرَارُ الصَّغِيرِ لِلْكَبِيرِ بِفَضْلِ التَّقَدُّمِ .

شرح ابن بطال - (ج 11 / ص 314)

اختلف العلماء في تأويل قوله عليه السلام في حديث أسامة: « لا ربا إلا في النسيئة » فروى عن قوم السلف أنهم أجازوا بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة يدًا بيد متفاضلة، رواه سعيد بين جبير عن ابن عباس، قال: « ما كان ربًا قط في هاء و هاء. ورواية عن ابن عمر وهو قول عكرمة وشريح.

واحتجوا بظاهر حديث أسامة بن زيد: « لا ربا إلا في النسيئة » فدل أن ما كان نقدًا فلا بأس بالتفاضل فيه وخالف جماعة العلماء بعدهم هذا التأويل، وقالوا: قد عارض ذلك حديث أبى سعيد الخدرى وحديث أبى بكرة عن النبى - عليه السلام - أنه حرم التفاضل في الذهب بالذهب، والفضة بالفضة يدًا بيد، وروى الطبرى من حديث عبد الله بن موسى قال: حدثنا حيان بن عبد الله العدوى قال: سئل أبو مجلز عن الصرف فقال: « كان ابن عباس لا يرى به بأسًا زمانًا من عمره إذا كان يدًا بيد، ويقول: إنما الربا في النسيئة، فلقيه أبو سعيد فقال: يا ابن عباس، ألا تتق الله ! حتى متى تؤكل الناس الربا؟! إنى سمعت النبى - عليه السلام - يقول: الذهب بالذهب، والورق بالورق، والتمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير يدًا بيد مثلا بمثل، فما زاد فهو ربا » .

فهذه السنن الثابتة لا تأويل لأحد معها، فلا معنى لما خالفها، وقد تأول بعض العلماء أن قوله عليه السلام: « لا ربا إلا في النسيئة » خرج على جواب سائل سأل عن الربا في الذهب بالورق أو البر بالتمر، ونحو ذلك مما هو جنسان، فقال عليه السلام: « لا ربا إلا في النسيئة » فسمع أسامة كلامه، ولم يسمع السؤال، فنقل ما سمع. وقال الطبرى في حديث أسامة: المراد به الخصوص، ومعناه: لا ربا إلا في النسيئة إذا اختلفت أجناس المبيع فإذا اتفقت فلا يصلح بيع شىء منه من نوعه إلا مثلا بمثل، والفضل فيه يدًا بيد ربا، وقد قامت الحجة ببيان الرسول في الذهب الفضة، والفضة بالذهب، والحنطة بالتمر نساء، أنه لا يجوز متفاضلا، ولا مثل بمثل، فعلمنا أن قوله: « لا ربا إلا في النسيئة » . فيما اختلفت أنواعه دون ما اتفقت.

قال المهلب: وفى حديث أبى سعيد وابن عباس من الفقه أن العالم يناظر العالم، ويوقفه على معنى قوله، ويرده من الاختلاف إلى الإجماع.

وفيه: إقرار الصغير للكبير بفضل التقدم؛ لقول ابن عباس لأبى سعيد: أنتم أعلم برسول الله منى.

والنساء: التأخير، يقال: باع منه نسيئة ونظرة وأخرة ودينًا، كل ذلك بمعنى واحد، ومنه قوله تعالى: {إنما النسىء زيادة في الكفر} يعنى تأخير الأشهر الحرم التى كانت العرب في الجاهلية تفعلها من تأخير المحرم إلى صفر، ومنه انتساء فلان عن فلان، أى: تباعده منه، عن الطبرى.

شرح مسند أبي حنيفة - (ج 1 / ص 184)

ففي كتاب الرحمة في اختلاف الأئمة أجمع المسلمون على أنه لا يجوز بيع الذهب بالذهب منفردا والورق بالورق منفردا تبرها ومضروبها وحليها إلا مثلا بمثل وزنا بوزن يدا بيد وأنه لا يباع شيء منها غائبا بتأخير واتفقوا على أنه يجوز بيع الذهب بالفضة والفضة بالذهب متماثلين يدا بيد ويحرم نسيئة وكذا سائر أموال الربوية من الموزون والمكيل كالحنطة والتمر والملح

والأحاديث في ذلك كثيرة منها مارواه أحمد ومسلم عن أبي سعيد مرفوعا: لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء ومنها مارواه البخاري عن أبي بكر بلفظه لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء والفضة بالفضة إلا سواء بسواء وتبيعوا الذهب بفضة والفضة بالذهب كيف شئتم أي يد بيد كما رواه الترمذي عن عبادة بن الصامت . هذا وقال الخطابي: حديث أسامة محمول على أن أسامة سمع كلمة من آخر الحديث فحفظها ولم يدرك أوله كان النبي صلى الله عليه و سلم سئل عن بيع الجنسين متفاضلا فقال صلى الله عليه و سلم:"إنما الربا في النسئة"يعني إذا اختلف الأجناس جاز فيها التفاضل إذا كانت يدا بيد وإنما يدخلها الربا إذا كانت نسيئة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت