فهرس الكتاب

الصفحة 1081 من 1226

النوع الأول هو ربا الفضل وهو البيع مع زيادة أحد العوضين على الآخر كبعتك دينارًا بدينارين، وقد روى هذا التحريم البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل ولا ُتشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض أي لا تفضلوا بعضها على بعض، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تشفوا بعضها على بعض (أي لا تفاضلوا ) .

كما أنه لا عبرة للصنعة في هذا، كأن بيع خاتم ذهب ووزنه خمسة عشر غراما بخمسة عشر غرامًا من الذهب ومائة ليرة للصنعة فهذا ربا، إذ لا عبرة للصنعة وإن ذلك سيؤدي إلى زيادة أحد العوضين وانتفاء التماثل، ومن هذا النوع ربا القرض وهو أن يشترط ما فيه نفع للمقرض وجعل من ربا القرض لأنه لما شرط فيه نفع للمقرض كان بمنزلة أنه باعه ما أقرضه بما يزيد عليه، كأن قال مقرض لمقترض أقرضتك ألف ليرة على أن تعيدها إلي بعد شهر ألفًا و خمسين فكأنه باعه ألف ليرة بألف وخمسين ليرة فأشبه البيع مع زيادة أحد العوضين.

وأما النوع الثاني فهو ربا اليد وهو البيع مع تأخير العوضين أو أحدهما كأن بيع مال ربوي بمال ربوي فيه نفس العلة دون أن يشترط لذلك أجل بنفس العقد، ولكن يحصل التأخير في قبض البدلين أو أحدهما عن مجلس العقد بالفعل والدليل على تحريم هذا النوع الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء. وكلمة هاء هي اسم فعل أمر بمعنى خذ، والمراد أن يعطي كل من المتعاقدين ما بيده من العوض فيحصل التقابض في المجلس كبعتك هذا المدَ بهذا المدِ وأسلمك المد الذي بيدي ثم تسلمني المد الذي بيدك ويتم التقابض في المجلس.

أما إذا تم تأخير تسليم العوضين أو أحدهما عن مجلس العقد فإن ذلك هو ربا اليد.

وأما النوع الثالث من أنواع الربا فهو ربا النَساءِ وهو البيع لأجل والنساء معناه التأخير وهو بيع مال ربوي بمال ربوي آخر فيه نفس العلة إلى أجلٍ

ومثاله: بعتك عشرين غرامًا ذهبًا بعشرين ذهبًا وأسلمك العشرين بعد يومين.

والرسول صلى الله عليه وسلم قال مثلًا بمثل و يدا بيد سواءً بسواء.

وبعد أن استعرضنا نصوصًا واضحةً من القرءان الكريم والسنة المطهرة في تحريم الربا وبينا أنواعه الثلاثة وهي:

-ربا الفضل

-ربا اليد

-ربا النساء

فلا بد أن نتعرف على الأشياء التي يحصل فيها و يتحقق الربا.

فالربا لا يكون إلا في الذهب والفضة ولو غير مضروبين وفي المطعومات لا في غير ذلك.

والمراد بالمطعومات ما قصد لطعم تقوتًا أو تفكهًا أو تداويًا كما يؤخذ ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح ِمثلًا بمثل سواءً بسواء يدًا بيد. فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد . أي مقابضة، فقد نص الحديث الشريف على أن الربا إنما يكون في الذهب والفضة وإن كانا غير مضروبين كحلي وتبر وسبائك أي ولو كان الذهب أو الفضة مكسرًا ويطلق على الذهب والفضة اسم النقدين وإنما يكون الربا في الذهب والفضة لعلة الثمنية الغالبة ويعبر عنها بجوهرية الأثمان غالبًا، وهي منتفية عن العروض. وأيضًا نص الحديث الشريف على البر والشعير والمقصود منهما التقوت فألحق بهما ما في معناهما كالأرز والحمص والذرة والماء العذب فإنه مطعوم قال الله تعالى (ومن لم يطعمه فإنه مني) وأيضًا نص الحديث الشريف على التمر والمقصود منه التفكه والتأدم فألحق به ما في معناه كالذبيب والتين، وأيضًا نص الحديث الشريف على الملح والمقصود منه الإصلاح فألحق به ما في معناه من الأدوية كالزعفران والزنجبيل وحب الحنظل والكزبرة. فالملح لإصلاح الطعام والأدوية لإصلاح البدن.

أما المطعومات الخاصة بالبهائم فقط فلا ربا فيها كالحشيش والتبن.

أما ما اشترك فيه البهائم والآدميون ففيه الربا وإن أكلته البهائم كثيرًا.

أما الطعام المشترك بين الآدميين والبهائم ففيه التفصيل الآتي

فالمطعوم المختص بالآدميين وما يغلب اختصاصهم فيه وما يستوي فيه الآدميون وغيرهم ففيه الربا، أما ما يختص بغير الآدميين وما يغلب في غير الآدميين فلا ربا فيه.

أما التفكه فالمراد به ما يؤكل للالتذاذ به كالتحلي بحلوى لا أكل الفاكهة وبعد أن تعرفنا على الأجناس الربوية التي نص عليها الحديث الشريف فلا بد أن نتعرف على كيفية بيع بعضها ببعض وبيع بعضها بغيره.

والمراد بالجنس كل شيئين اتفقا في الاسم الخاص من أصل الخلقة، فهم جنس واحد فالذهب في كل أنواعه يعتبر جنسًا واحدًا والحنطة في كل أنواعها تعتبر جنسًا واحدًا وكل ما يتفرع عن الأصل يعتبر جنسا تابعًا لأصله فالبرغل والطحين يعتبران جنسًا واحدا ًتابعًا لأصليهما وهو البر. فإذا بيع ربوي بجنسه ُشرِطَ لصحة البيع ثلاثة أمور حلول و تقابض قبل تفرق ومماثلة يقينًا ومعنى الحلول أي لا يصح بيع جنس ربوي بجنسه دينًا، وأما التقابض ففي المجلس ، ولا بد من المماثلة يقينًا وتكون المماثلة فيما يكال كيلًا ويوزن وزنًا وهذه الأمور الثلاثة أخذناها من قول النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الوَرِقَ بالوَرِقَ ولا البر بالبر ولا الشعير بالشعير ولا التمر بالتمر ولا الملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين يدا بيد فإن اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إن كان يدًا بيد) . فلا بد من المماثلة يقينا في البدلين كيلًا في المكيلات كمد بمد ووزنا في الموزونات كرطلٍ برطلٍ وعددًا في المعدودات كخمسة بخمسة.

والجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة، فلو بيعت صبرة [1] حنطة بصبرة أخرى لا يعلم قدر كل منهما فهذا ربا ولو علم تساويهما بعد ذلك، لأن الجهل بالمماثلة سبق البيع فالجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة أي كبيع مد بمدين وهذا حرام لكن لو بيع مدان من هذه الصبرة بمدين من تلك الصبرة جاز وذلك للعلم بالتماثل حالة البيع.

والتفصيل في مسألة المكيل والموزون أنه إذا كان المبيع أصغر من تمرة فمكيل وإن كان أكبر من تمرة فموزون، أما إذا كان مثل التمر فبعادة بلد المبيع حالة البيع، وقال أبو يوسف من الحنفية: المعتبر هو العرف مطلقًا وفي هذا رفع للحرج.

وإذا بيع ربوي بربوي غير جنسه واتحدا علة كبر بشعير وذهب بفضة شرط حلول و تقابض قبل التفرق لا مماثلة. فإذا بيع مد قمح بمدي شعير أو بيع مائة غرام من الذهب بألف غرام من الفضة فهذا جائز وذلك للاختلاف في الجنس، كمشتقات أصول مختلفة الجنس وخلولها وأدهانها ولحومها وألبانها أي أن حكم مشتقات الجنس كحكم أصولها، فلو بيع طحين قمح بطحين شعير يشترط الحلول و التقابض فقط كأصلهما تمامًا، وكذا في الخلول و الأدهان واللحوم والألبان والبيض فيباع خل العنب بخل التمر متفاضلًا بشرط الحلول و التقابض فقط، وكذا بقية مشتقات الأصول المختلفة لاختلاف الأجناس واتحاد العلة.

والعلة إما أن تكون علة طعم كما في البر والشعير وإما أن تكون علة ثمنية كما في الذهب والفضة، وخرج بمختلفة الجنس متحدته كمشتقات أنواع البر فهي جنس واحدٌ أي لا يجوز بيع دقيق الحنطة بدقيق الحنطة لعدم تأتي المماثلة، أما إذا بيع جنس ربوي بجنس ربوي مختلف مع الجنس الآخر في العلة كبيع طعام بذهب أو بيع طعام بثوب أو بيع ثوب بثوب لم يشترط شيء من الشروط الثلاثة السابقة للاختلاف في الجنس والعلة، فالطعام علته الطعم والذهب علته الثمنية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت