فهرس الكتاب

الصفحة 1080 من 1226

لما تعاظم أمر الربا وانتشر وباؤه، حتى كاد أن يدخل كل بيت وتعامل به كثيرون ممن لم يدركوا خطره، بل لما استباحه بعض المسيسين زورًا وبهتانًا، كان لا بد من تبيين المسائل الربوية حتى يتجنبها الناس و أصبح لزامًا على العقلاء النابهين أن يظهروا البديل الشرعي الذي اختاره الله عز وجل لإسعاد البشرية لذلك تقدمت بين يدي هذه الضرورة الملحة ببيان مضار الربا و بجملة من الأحكام مبينا فيها الفرق بين مسائل البيع ومسائل الربا، فنسأل الله التوفيق والسداد في مبتغانا.

فالشريعة الإسلامية اعتبرت الربا من أكبر الجرائم الاجتماعية والدينية، فالربا في نظر الإسلام من أفظع الجرائم وهو أساس المفاسد وهو الوجه النقيض للصدقة والبر والإحسان، فالصدقة عطاء وسماحة ، وهي التعاون والتكافل والطهارة ... والربا شح وقذارة ودنس وجشع وأنانية. ويمكننا أن نجمل بعض أضرار الربا في ثلاث فقرات:

1-ضرر الربا من الناحية النفسية .

2-ضرر الربا من الناحية الاجتماعية0

3-ضرر الربا من الناحية الاقتصادية.

1-فمن الناحية النفسية فإن الربا يولّد لدى الإنسان حب الأثرة والأنانية، فلا يهمه إلا مصلحته ونفعه ، فبذلك تنعدم المروءة والإيثار، وتنعدم معاني البر و الإحسان ومحبة الخير للآخرين، وتحل مكانها الأنانية والأثرة وحب الذات، وتتلاشى الروابط الأخوية بين الإنسان وأخيه فيغدو الإنسان المرابي مصاص دماء لا يهمه سوى استلاب ما في أيدي الناس ومص دمائهم، ويصبح ذئبا ً في صورة إنسان وديع ، وتجد أن معاني الخير والنبل والمروءة ٌ قد انعدمت في قلوب الناس وحل مكانها الجشع والطمع.

2-وأما ضرر الربا من الناحية الإجتماعية: فإنه يولد الكراهية والعداوة بين أفراد المجتمع ويكون معول هدمٍ يهدم الروابط الإنسانية والاجتماعية بين طبقات الناس، ويقضي على كل مظاهر الشفقة والحنان، والتعاون والإحسان في نفوس البشر، بل إنه ليزرع في القلب الحسد والبغضاء، ويدمر قواعد المحبة والإخاء ، ومن المقطوع به أن الإنسان الذي لا تسكن قلبه معاني الشفقة والرحمة، ولا يعرف معنى للأخوة الإنسانية سوف يعدم كل إحترام أو عطف من أبناء مجتمعه وينظرون إليه بعين الإزدراء والإحتقار، وكفى بمن يتناولون مرض الربا مقتًا أنهم أعلنوا على أنفسهم الحرب من الله عز وجل، بما كسبت أيديهم من مص لدماء البشر عن طريق استغلالهم حاجتهم واضطرارهم.

3-وأما ضرر الربا من الناحية الاقتصادية: فهو جلي واضح لأنه يقسم الناس الى طبقتين، طبقة مترفة تعيش منعمة مرفهة على حساب الآخرين، وطبقة معدمة تعيش على الفاقة والحاجة، والبؤس والحرمان.

فالله عز وجل يخبر أولئك المتعاملين بالربا فيمتصون دماء الناس، بأنهم لا يقومون من قبورهم يوم القيامة، إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له، فيتعثر ويسقط ولا يستطيع المشي سويًا، لأن به مسًا من الشيطان، فهذه الحالة تلبَّستهم لما استحلوا الربا الذي حرمه الله، فقالوا الربا مثل البيع فلماذا يكون حرامًا؟ وقد رد الله عليهم قولهم السقيم بأن البيع تبادل منافع وقد أحله الله، أما الربا فهو زيادة مقتطعة من جهد المدين أو لحمه وقد حرمه الله فكيف يتساويان ؟!

الله جعل البيع حلالًا وجعل الربا حرامًا فقال سبحانه وتعالى:"الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَِ" ( سورة البقرة: 275 )

فقد رد الله عليهم هذه الشبهة فالمغايرة واضحة بين البيع وبين الربا وهذا ما دلت عليه الواو التي تفيد المغايرة فهي كالواو في قوله تعالى ( ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرًا ورزقًا حسنا ) ، فالرزق الحسن غير السكر.

ثم توجه خطاب الله عز وجل إلى المؤمنين الذي يتخذون من شرع الله منهجًا وسلوكًا، ينهاهم الله عز وجل فيه عن أكل الربا فيقول سبحانه وتعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة....) .فماذا على المؤمنين التائبين أن يفعلوا ؟! ( فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ....) .

ثم يأتي تهديد الله عز وجل بمحق أموال المرابين ووعده سبحانه وتعالى بتنمية أموال التائبين فقال سبحانه وتعالى ( يمحق الله الربا ويربي الصدقات ....) . ثم يأمر الله عز وجل عباده المؤمنين بالتقوى وترك الأموال الربوية {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 2/278-279] .

أما أولئك الذين أرادوا أن يستمروا في أكل أموال الربا والتعامل فيه فقد جاء إعلان الله عز وجل بالحرب عليهم فقال سبحانه وتعالى {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} . وهذا سيد الخلق وحبيب الحق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم - الذي كان ولا يزال قدوة المؤمنين الذين آمنوا بالله واليوم الآخر- يقول: (( ألا إن كل ربًا من ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا عمي العباس وكل دم من دم الجاهلية موضوع ، وأول دم أضعه دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ) ).

ويقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه واللعن هو الطرد من رحمة الله تعالى، فالربا من الكبائر كالزنا وشرب الخمر ويدل على سوء الخاتمة كإيذاء أولياء الله الصالحين ولو أمواتًا فإنه سبحانه وتعالى لم يأذن بالمحاربة إلا فيهم.

وحرمة الربا تعبدية ولم يحل في شريعة قط لقوله تعالى ( وأكلهم الربا وقد نهوا عنه ) أي في الكتب السابقة.

الربا من الكبائر فكل من يقول إن الربا جائز فقد حلل الحرام ومن حلل الحرام متعمدًا فهو كافر .

والربا لغة الزيادة قال الله تعالى ( وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت) أي زادت ونمت.

وأما الربا شرعًا فهو عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما وسمي الربا عقدًا لأن فيه تبادل الأموال، ومعنى على عوض مخصوص أي الأموال الربوية من ذهب وفضة وبر وشعير وغير ذلك، أما المقصود من عبارة غير معلوم التماثل أي بأن يكون أحد العوضين متفاضلًا مع العوض الآخر أو أنه مجهول التساوي معه، وأما قوله في معيار الشرع فهو المكيل في المكيلات والموزون في الموزونات، وأما قوله حالة العقد فلا بد للعوضين أن يكونا متساويين حالة العقد فلو كان العوض مجهولًا عند العقد فلا يجوز وإن كيل بعد العقد فخرج العوضان متماثلين لأن التماثل كان مجهولًا حالة العقد.

وأم المراد بالتأخير في البدلين أو أحدهما أي فيم لو كان العوضان متماثلين عند العقد لكن لم يتم التقابض في المجلس بين المتعاقدين والمراد بالتأخير كذلك اشتراط الأجل في العقد. وبعد شرح تعريف الربا نبين أن الربا على ثلاثة أنواع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت