الثاني أن جبريل كان معه حيث سار . ثم إن طرف جناح واحد منه يكفي لأهل الأرض . فكيف لم يكف فِي منع أولئك اليهود؟ وأنه صلى الله عليه وسلم كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ، فكيف لم يقدر على إماتة أولئك اليهود الذين قصدوه بالسوء والقاء الفلج والزمانة عليهم حتى لا يتعرضوا له؟ الثالث أنه تعالى كان قادراً على تخليصه من الأعداء بأن يرفعه إلى السماء ، فما الفائدة فِي إلقاء شبهه على الغير؟ وهل فيه إلا إيقاع مسكين فِي القتل من غير فائدة مع أن ذلك يوجب تلبيس الأمر عليهم حتى اعتقدوا أن المصلوب هو عيسى وأنه لم يكن عيسى ، والتمويه والتخليط لا يليق بحكمة الله تعالى؟ الرابع أن النصارى على كثرتهم فِي المشارق والمغارب وإفراطهم فِي محبة عيسى أخبروا أنهم شاهدوه مصلوباً ، فإنكار ذلك إنكار المتواتر ، والطعن فِي المتواتر يوجب الطعن فِي نبوة جميع الأنبياء . الخامس ثبت بالتواتر أن المصلوب بقي حياً زماناً طويلاً . فلو كان هو غير عيسى لأظهر الجزع وعرف نفسه ، ولو فعل ذلك اشتهر وتواتر . والجواب عن الأول أن كل من أثبت القادر المختار سلم أنه تعالى قادر على خلق مثل زيد . وهذا التجويز لا يوجب الشك فِي وجود زيد فكذا فيما ذكرتم . وعن الثاني والثالث أن ذلك يفضي إلى بلوغ الإعجاز حد الإلجاء ، وأنه ينافي التكليف . والتلبيس المذكور قد أزاله تلامذة عيسى الحاضرون منه العالمون بالواقعة . وعن الرابع أنه تواتر منقطع الأول لأنهم كانوا قليلين فِي ذلك الوقت فلا يفيد العلم . إذ شرط التواتر استواء الطرفين والوسط . وعن الخامس ما روي أن الذي ألقي عليه الشبه كان من خواص أصحابه ، فلهذا صبر . على أنا نقول: قد ثبت بالمعجز القاطع صدق محمد صلى الله عليه وسلم فِي كل ما أخبر عنه ، فهذه الاحتمالات تمتنع أن تصير معارضة للنص القاطع والله ولي الهداية . قال: {ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون} وفيه بشارة لعيسى بأنه سيحكم بين