ومن ذلك قوله: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا} [الأحزاب 18] وذلك أنّ اليهود قالوا للمنَافقين سراً يوم الخندق: على ما تقتلون أنفسكم, هلموا إلينا, ما ترجون من محمد, والله ما تجدون عنده خيراً؛ ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ} [محمد 25] إلى قوله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} [محمد: 26] وذلك أنهم قالوا: أن قريظة والنضير ستُطيعكم في بعض الأمر فأظهر الله تعالى إسرارهم لرسوله - صلى الله عليه وسلم - , ونظائر ذلك في القرآن كثيرة نبهنا ببعضها على ما فيها؛ فأمّا إخبارهُ - صلى الله عليه وسلم - بالغائبات من غير القرآن فكثير أيضاً كإخباره بأمر الخلافة وأنها تكون كذلك ثلاثين سنة ثم تصير مُلْكاً, وبأن عثمان سَيُقمص قميصاً ويُراد على خلعه وأوصاه أن لا يخلعه, وأن أشقى الآخِرين سَيخضِب لحية عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - من رأسه, وأن الحسين - رضي الله عنه - سَيُقتل, وأن فاطمة رضي الله عنها أول أهله به لحُوقاً, وأخبر بخروج الخوارج, وبأنّ عمّاراً - رضي الله عنه - تقتله الفئة الباغية, وأنه يخرج من ثقيفٍ
كذّابٌ ومُبير فخرج المختار والحجّاج, وأخبر أن أصحابه سَيَلقون بعده أثَرةً وأموراً عظاماً, وأن أمته ستفترق, وأنّ بني أمّية سيملكون, وأن بني العباس يملكون الملك, وأنه يكون مَلك يحثوا المال حَثْياً لا يعدّه عَدّاً, وأنّ مُلك أمّته ينتهي إلى مشارق الأرض ومغاربها, وأن أمّته تقاتل قوماً نعالهم الشعر صغار الأعين ذلف الأنوف, وكل واحد من هذه الأمور فيه حديث صحيح أوحسن مشهور مُدَوّن في كتب الحديث والسِّيَرِ والتّاريخ وغير ذلك, قد استقرّ في القلوب تصديقه لِتَلَقِي الأمّة له بالقبول وتدوينهم إيّاه في دواوين الإسلام نبّهنا بذكر كل نوع منه على ما وراءه, وهذه الأمور من أقوى الأدلة وأعدل الشهود على صدق ما أخبر به من أمور الآخرة وشأن البرزخ كعذاب القبر والحشر والنّشر والحساب والشفاعة والميزان والجنّة والنّار والصّراط وغير ذلك مما هو من شأن اليوم الآخر, والله تعالى الموفق. انتهى انتهى {خصائص سيد العالمين، للسُّرَّمَرِّي} ...