الثاني: أن {الْمُلْكَ} ههنا: ظهور الدين، والغَلَبة. فمعنى {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ} أي ترزق الغَلَبةَ والظَّفَرَ الذين يطيعونك، ويعبدونك. والله تعالى قد جعل كل ما في مملكة مَلِكٍ غير مسلم للمسلمين مُلكاً وغنيمة، ولهم أن يُطالِبُوا به حتى يَحُوزوه، كما يُطالِبُ المَسْلوبُ ثَوْبَهُ بِثَوْبِه، والمأخوذ مالُهُ بما غلب عليه منه.
وقال أهل المعاني: معنى قوله {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ} ؛ أي مَنْ تشاءُ أن تُؤْتِيَه، وكذلك {وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} أي: ممن تشاء أن تنزعه، إلاَّ أنه حذف؛ لأن في الكلام ما يدل عليه.
قال الفرَّاء: ومثله: قولك: (خذْ ما شئت) ؛ أي: ما شئت أن تأخذه. وكذلك قولك: (إن شئت؛ فَقُمْ، وإن شئت؛ فلا تَقُمْ) ، وكذلك قوله: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] [فهذا بيَّن أنَّ] المشيئة واقعة على الإيمان والكفر، وهما متروكان.
وقوله تعالى: {وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ} قال ابن عباس: يريد: المهاجرين والأنصار، {وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} ، يريد: الروم وفارس: وقيل: {وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ} : محمداً وأصحابه، حتى دخلوا مكة ظاهرين عليها،
{وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} : أبا جهل وأصحابه، حتى حُزَّت رؤوسهم وأُلقوا في القليب. ويدخل تحت هذا كلُّ ما به يُعِزُّ اللهُ ويذل، من الإيمان والكفر، والتوفيق والخذلان وأشباهها.
وقوله تعالى: {بِيَدِكَ الْخَيْرُ} أي: الخير والشر، فاكتفى بالخير؛ لأن الرغبة إليه فعل الخير بالعبد دون الشر، وهذا كقوله: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النمل: 81] أي: [تقيكم] الحَرَّ والبرد.
وقال ابن عباس في تفسير {الْخَيْرُ} ههنا: إنه عِزُّ الدنيا والآخرة. انتهى انتهى {التفسير البسيط. 5/ 143 - 159} .