واعلم أنه تعالى قسم وعيدهم إلى ثلاثة أقسام: الأول اجتماع أسباب الآلام والمكاره عليهم وهو العذاب الأليم ، واستعارة البشارة ههنا للتهكم . الثاني زوال أسباب المنافع عنهم بالكلية وهو قوله: {أولئك حبطت أعمالهم فِي الدنيا والآخرة} أما فِي الدنيا فإبدال المدح بالذم والثناء باللعن وأسباب الاحترام والاحتشام بأصناف الذل والهوان من السبي والقتل والجزية ، وأما فِي الآخرة فكما قال عز من قائل {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً} [الفرقان: 23] الثالث لزوم ذلك فِي حقهم وهو قوله: {وما لهم من ناصرين} ثم ذكر غاية عناد أهل الكتاب فقال: {ألم تر إلى الذين} عن ابن عباس قال:"دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس على جماعة من اليهود فدعاهم إلى الله فقال له نعيم بن عمرو والحرث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: على ملة إبراهيم . فقالا: إن إبراهيم كان يهودياً . فقال رسول الله: فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا"فنزلت . وقال الكلبي: نزلت فِي اللذين زنيا من خيبر وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما بالرجم وأنكر اليهود عليه صلى الله عليه وسلم وسوف تجيء القصة فِي سورة المائدة مفصلة . وقيل: دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم أو إياهم والنصارى إلى الآيات الدالة على صحة نبوته من التوراة أو منها ومن الإنجيل فأبوا فنزلت . ومعنى قوله: {أوتوا نصيباً} أي حظاً وافراً من علم الكتاب يريد أحبار اليهود . و"من"إما للتبعيض وإما للبيان . والكتاب يراد به غير القرآن من الكتب التي كانوا مقرين بحقيتها . وقيل: أي حصلوا من جنس الكتب المنزلة أو من اللوح التوراة وهي نصيب عظيم . ثم بين سبب التعجيب بقوله: {يدعون إلى كتاب الله} وهو التوراة كما مر فِي أسباب النزول ، ولأنه تعالى عجب رسوله من تمردهم وإعراضهم ، وإنما يتوده التعجيب إذا تمردوا عن حكم الكتاب الذي يعتقدون صحته .