يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَوَصَّى بِهَا} وَوَصَّى بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ؛ أَعْنِي بِالْكَلِمَةِ قَوْلَهُ: {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} وَهِيَ الْإِسْلَامُ الَّذِي أَمَرَ بِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ إِخْلَاصُ الْعِبَادَةِ وَالتَّوْحِيدُ لِلَّهِ، وَخُضُوعُ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ لَهُ
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ} عَهِدَ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ وَأَمَرَهُمْ بِهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَيَعْقُوبُ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَوَصَّى بِذَلِكَ أَيْضًا يَعْقُوبُ بَنِيهِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ} خَبَرٌ مُنْقَضٍ، وَقَوْلُهُ: {وَيَعْقُوبُ} خَبَرٌ مُبْتَدَأٌ، فَإِنَّهُ، قَالَ: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ بِأَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَوَصَّى يَعْقُوبُ بَنِيهِ أَنْ: {يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} . وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ؛ وَلَأَنَّ الَّذِي أَوْصَى بِهِ يَعْقُوبُ بَنِيهِ نَظِيرُ الَّذِي أَوْصَى بِهِ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ مِنَ الْحَثِّ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَالْخُضُوعِ لَهُ وَالْإِسْلَامِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ أَنْ يَا بَنِيَّ، فَمَا بَالُ أَنْ مَحْذُوفَةٌ مِنَ الْكَلَامِ؟
قِيلَ: لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ قَوْلٌ فَحُمِلَتْ عَلَى مَعْنَاهَا، وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَاءَ بِلَفْظِ الْقَوْلِ لَمْ تَحْسُنْ مَعَهُ أَنْ، وَإِنَّمَا كَانَ يُقَالُ: وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِبَنِيهِ وَيَعْقُوبُ: {يَا بَنِيَّ} ، فَلَمَّا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ قَوْلًا حُمِلَتْ عَلَى مَعْنَاهَا دُونَ قَوْلِهَا، فَحُذِفَتْ أَنِ الَّتِي تَحْسُنُ مَعَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الرجز]
إِنِّي سَأُبْدِي لَكَ فِيمَا أُبْدِي لِي شَجَنَانِ شَجَنٌ بِنَجْدِ
وَشَجَنٌ لِي بِبِلَادِ السِّنْدِ
فَحُذِفَتْ أَنَّ إِذْ كَانَ الْإِبْدَاءُ بِاللِّسَانِ فِي الْمَعْنَى قَوْلًا، فَحَمَلَهُ عَلَى مَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ.