وفي هذا التعبير ما فيه من الدلالة على أن هذه الحياة التي يحياها المؤمن في الجنة، في أسمى درجات الحبور والسرور، حتى لكأنه لو كان للمعيشة عقل، لرضيت لنفسها بحالتها، ولفرحت بها فرحا عظيما.
فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ أي: هذا الذي أوتى كتابه بيمينه، يكون - أيضا - في جنة مرتفعة على غيرها، وهذا لون من مزاياها.
قُطُوفُها دانِيَةٌ أي: ثمارها قريبة التناول لهذا المؤمن، يقطفها كلما أرادها بدون تعب. فالقطوف جمع قطف بمعنى مقطوف، وهو ما يجتنيه الجاني من الثمار، ودانِيَةٌ اسم فاعل، من الدنو بمعنى القرب. وجملة كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ مقول لقول محذوف.
أي: يقال لهؤلاء المؤمنين الصادقين، الذين أعطوا كتابهم بأيمانهم كلوا أكلا طيبا، واشربوا هنيئا مريئا بسبب ما قدمتموه في دنياكم من إيمان بالله - تعالى - ومن عمل صالح خالص لوجهه - تعالى -.
قال الإمام ابن كثير: أي: يقال لهم ذلك، تفضلا عليهم، وامتنانا وإنعاما وإحسانا، وإلا فقد ثبت في الصحيح، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اعملوا وسددوا وقاربوا، واعلموا أن أحدا منكم لن يدخله عمله الجنة. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال:
ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل». انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لـ طنطاوي. 15/ 67 - 79} ...