والثالث: أني تفكرت في أمري؛ فظننت أن مثلي لا يترك سدى هملاً؛ فأدى ظني إلى اليقين، فآمنت وصدقت الرسل، فإنما نجوت بأول ظني وفكرتي.
ومنهم من صرف الظن إلى اليقين والعلم، فقال: معنى قوله: (ظَنَنْتُ) . أي: أيقنت، وعلمت.
والأصل: أن كل يقين حدث في الأمور المستترة والعلوم الخفية فإنما يتولد ذلك على ظن يسبق، فيحمله ذلك الظن على النظر فيه والبحث عن حاله حتى يفضي به إلى الوقوف على ما استتر منه، ويصير الخفي له جليًّا، فيكون سبب بلوغه إلى اليقين والإحاطة الذي سبق منه؛ فجائز أن يسمى ذلك يقينًا مرة على الحقيقة وظنًّا ثانيًا على المجاز، على ما ذكرنا في قوله: (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) ، أن الأذن لا تعي شيئًا، بل تسمع، ولكنه إنما يوصل إلى الوعي بالأذن، فصارت الأذن سببًا للإيصال إلى الوعي، فأضاف الوعي إليها؛ فعلى ذلك ظنونهم في الابتداء إذا بلغتهم إلى اليقين والعلم سمّوا يقينهم وعلمهم ظنًّا مرة، ويقينًا ثانيًا؛ ألا ترى أن اللَّه - تعالى - قال: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ) ، وقال في موضع آخر: (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) ، فجعلهم مرة ظانين، ومرة موقنين، فيما كان طريقته البحث وإعمال الفكر؛ ولهذا لا يجوز أن يوصف اللَّه - تعالى - بالإيقان في أمر من الأمور؛ لأن الأشياء له بارزة ظاهرة؛ إذ هو منشئها وخالقها؛ فلا يخفى عليه شيء منها فيحتاج إلى البحث عنها والنظر فيها، والله الموفق.