ثم متى عفي عنه؟ في الخبر"أن الناس يعرضون يوم القيامة ثلاث عرضات: فأما عرضتان ففيهما خصومات ومعاذير، وأما العرضة الثالثة فتطاير الصحف في الأيدي"، فيجوز أن يكون تعذيبه قبل العرضة الثالثة، ثم يعطى كتابه في العرضة الثالثة بيمينه؛ فتظهر له أعلام السعادة إذ ذاك، فإذا ثبت أن الوعيد المطلق إنما جاء في أهل الكفر، لم يلحق أهل الكبائر من أهل الإيمان بهم في الحكم؛ بل وجب الوقف في حالهم؛ كما قال أصحابنا، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: (هَآؤُمُ) . أي: تعالوا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ:"ها"بمعنى: هاكم؛ أي: خذوا، فأبدلت الهمزة مكان الكاف، فظاهر الآية أن المعطى له الكتاب؛ يقول هذا؛ يدعو الخلق إلى نحوه، أو يناولهم الكتاب؛ استبشارًا وحبورًا، فيبشرهم بعفو اللَّه - تعالى - عنه ورحمته عليه.
ولكن أهل التأويل صرفوا التأويل إلى المعطي، فقالوا بأن المعطي هو الذي يقول هذا؛ فكأن الذي كتب الكتاب في الدنيا من الملك هو الذي يعطي الكتاب إلى المكتوب عليه، ويقول: (هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) . أي: خذوا اقرءوا، ما كتبت لكم وعليكم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ(20)
فإن حملته على حقيقة الظن، فهو يخرج على ثلاثة أوجه.
أحدها: أي: إني ظننت في الدنيا أني ألاقي (حِسَابِيَهْ) ، أي: الحساب الشديد فيما سبق من سيئاتي، وأؤاخذ بها، وأجازى عليها، وظننت الساعة ألا أنجو من ذنوبي؛ لفزع هذا اليوم، فوجدت سيئاتي قد غفرت، وخطاياي كفرت عني؛ فيكون قوله منه هذا شكرًا لله - تعالى - وإظهارًا لمنته.
والثاني: أي: إني تركت في دار الدنيا إذا عرضت لي الحوادث من الزلات والهفوات، ظننت أني ألاقي اللَّه - تعالى - بها، فأمسكت عنها، وانزجرت عن إتيانها؛ فيكون إخبارًا عن بيان سبب نيل ذلك.