وقال الزجاج: الباء بمعنى"في"تقول: كنت ببلد كذا أي في بلد كذا ، وتقديره في أيكم المفتون أي في أي الفريقين منكم المجنون: فريق الإسلام أو فريق الكفر؟ {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} أي هو أعلم بالمجانين على الحقيقة وهم الذين ضلوا عن سبيله {وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين} أي هو أعلم بالعقلاء هم والمهتدون {فَلاَ تُطِعِ المكذبين} تهييج للتصميم على معاصاتهم وقد أرادوه على أن يعبد الله مدة وآلهتهم مدة ويكفوا عنه غوائلهم {وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ} لو تلين لهم {فَيُدْهِنُونَ} فيلينون لك.
ولم ينصب بإضمار"أن"وهو جواب التمني لأنه عدل به إلى طريق آخر ، وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف أي فهم يدهنون أي فهم الآن يدهنون لطمعهم في ادهانك.
{وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ} كثير الحلف في الحق والباطل وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف {مَّّهِينٍ} حقير في الرأي والتمييز من المهانة وهي القلة والحقارة ، أو كذاب لأنه حقير عند الناس {هَمَّازٍ} عياب طعان مغتاب {مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} نقال للحديث من قوم إلى قوم على وجه السعاية والإفساد بينهم ، والنميم والنميمة: السعاية {مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ} بخيل ، والخير: المال أو مناع أهله من الخير وهو الإسلام ، والمراد الوليد بن المغيرة عند الجمهور وكان يقول لبنيه العشرة: من أسلم منكم منعته رفدي {مُعْتَدٍ} مجاوز في الظلم حده {أَثِيمٍ} كثير الآثام {عُتُلٍ} غليظ جاف {بَعْدَ ذَلِكَ} بعدما عد له من المثالب {زَنِيمٍ} دعي.
وكان الوليد دعياً في قريش ليس من سنخهم ، ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة سنة من مولده.
وقيل: بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت هذه الآية ، والنطفة إذا خبثت الناشئ منها.
رُوي أنه دخل على أمه وقال: إن محمداً وصفني بعشر صفات ، وجدت تسعاً فيّ ، فأما الزنيم فلا علم لي به ، فإن أخبرتني بحقيقته وإلا ضربت عنقك.