(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإن من جملتها النعمة الحاصلة بهذا التخويف وما يحصل به من الترغيب في الخير، والترهيب عن الشر، ولما فرغ سبحانه من تعداد النعم الدنيوية على الثقلين، ذكر نعمه الأخروية التي أنعم بها عليهم فقال:
(ولمن خاف) أي لكل فرد من أفراد الخائفين أو لمجموعهم والأول هو المعتمد (مقام ربه) مقامه سبحانه هو الموقف الذي يقف فيه العباد للحساب كما في قوله: (يوم يقوم الناس لرب العالمين) وقيل: المعنى خاف قيام ربه عليه وهو إشرافه على أحواله واطلاعه على أفعاله وأقواله، كما في قوله: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت، أو قيام الخائف عند ربه للحساب، ومحصله احتمالات ثلاثة في تفسير المقام، أولها أنه أسم مكان، والثاني أنه مصدر تحته احتمالان، إما بمعنى قيام الله على الخلائق، أو بمعنى قيام الخلائق بين يديه، قال مجاهد والنخعي: هو الرجل الذي يهم بالمعصية فيذكر الله
فيدعها من خوفه وفيه إشارة إلى سبب استحقاق الجنتين في نفس الأمر وهو أنه ليس مجرد الخوف بل الخوف الناشئ عنه ترك المعاصي.
(جنتان) إختلف فيهما فقال مقاتل: يعني جنة عدن وجنة النعيم، وقيل: إحداهما التي خلقت له، والأخرى ورثها، وقيل: إحداهما منزله والأخرى منزل أزواجه، وقيل: إحداهما أسافل القصور. والأخرى أعاليها، وقيل: جنة لفعل الطاعة، وأخرى لترك المعصية، وقيل: جنة للعقيدة التي يعتقدها وجنة للعمل الذي يعمله، وقيل: جنة بالعمل وجنة بالتفضل، وقيل: جنة روحانية، وجنة جسمانية. وقيل: جنة لخوفه من ربه وجنة لتركه شهوته وقال الفراء: إنما هي جنة واحدة والتثنية لأجل موافقة رؤوس الآي، قال النحاس: وهذا من أعظم الغلط على كتاب الله، فإن الله يقول جنتان ويصفهما بقوله فيهما فيهما إلخ وقيل إنما كانتا اثنتين ليتضاعف له السرور بالتنقل من جهة إلى جهة.