(كل من عليها فان) أي كل من على الأرض من الحيوانات هالك، وعلى هذا لا يحتاج لتخصيص الآية بغير الجنة والنار، والحور والولدان، والحجب والعرش والأرواح، وغلب العقلاء على غيرهم فعبر عن الجميع بلفظ (من) وقيل: أراد من عليها من الجن والإنس، ولا يقال: إن هذه الآية إلى قوله: (يطوفون بينها وبين حميم آن) ، ليست نعماً فكيف قال عقب كل منهما (فَبِأَيِّ آلَاءِ) ، الآية؟ والجواب أن ما وصف من هول يوم القيامة وعقاب المجرمين فيه زجر عن المعاصي. وترغيب في الطاعات، وهذا من أعظم المنن، وقيل: وجه النعمة في فناء الخلق أن الموت سبب النقلة إلى دار الجزاء والثواب، قال يحيى بن معاذ: حبذا الموت، فهو الذي يقرب الحبيب إلى الحبيب، وقيل: جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب، وقال مقاتل: وجه النعمة في فناء الخلق التسوية بينهم في الموت، ومع الموت تستوي الأقدام.
(ويبقى وجه ربك) الوجه عبارة عن ذاته سبحانه ووجوده، وقد تقدم في سورة البقرة بيان معنى هذا، وقيل: المعنى وتبقى حجته التي يتقرب بها إليه والأول أولى، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له، وخاطب الاثنين في قوله:
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا) ، وخاطب هنا الواحد لأن الإشارة ههنا وقعت إلى كل أحد، فقال: ويبقى وجه ربك أيها السامع، ليعلم كل أحد أن غيره فان، فلو قال: ويبقى وجه ربكما لكان كل
أحد يخرج نفسه ورفيقه المخاطب عن الفناء، ولم يقل ويبقى وجه الرب من غير خطاب مع أنه أدل على فناء الكل، لأن كاف الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى القهر، والموضوع موضع بيان اللطف وتعديد النعم، فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف الخطاب.
(ذو الجلال) أي ذو العظمة والكبرياء، واستحقاق صفات المدح، يقال: جل الشيء أي عظم، وأجللته أي أعظمته وهو اسم من جل، قرأ الجمهور ذو على أنه صفة لوجه وقرئ ذي على أنه صفة لرب.