فإن قيل: الجنين إذا كان اسمًا له ما دام في البطن، فما فائدة قوله تعالى: {في بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} ؟
قلنا: فائدته المبالغة في بيان كمال علمه، وقدرته. فإن بطون الأمهات في غاية الظلمة. ومن علم حال الجنين فيها لا يخفى عليه شيء من أحواله.
{أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) }
وإنما ذكر ما جاء في شريعتي هذين النبيين فحسب؛ لأن المشركين كانوا يدعون أنهم على شريعة أبيهم إبراهيم، وأهل الكتاب كانوا يدعون أنهم متبعون ما في التوراة وصحفها قريبة العهد منهم.
فإن قلت: لم قدم موسى هنا على إبراهيم، وعكس في سورة الأعلى؟
قلت: إنما قدم موسى هنا لما أنَّ صحفه التي هي التوراة أشهر عندهم وأكثر، وأيضًا هو من باب الترقي من الأقرب إلى الأبعد لكون الأقرب أعرف، وأيضًا أن موسى صاحب كتاب حقيقة بخلاف إبراهيم.
وقدم إبراهيم على موسى في سورة الأعلى لغرض الفاصلة.
{وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) }
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ} ولم يقل: وأنه هو خلق، كما قال: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) } ؟
فالجواب: أن الضحك والبكاء ربما يتوهم أنهما بفعل الإنسان، وكذا الإماتة. وإن كان ذلك التوهم فيهما أبعد، لكن ربما يقول به جاهل، كما قال من حاج إبراهيم: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} . فأكد ذلك بالفصل.
وأما خلق الذكر والأنثى من النطفة، فلا يتوهم أحد أنه بفعل أحد من الناس فلم يؤكد بالفصل. اهـ كرخي.
{أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (57) }
وفي"الروح": قوله: {أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (57) } في إيراده عقيب المذكورات إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، تعظيمًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإن كانوا معذبين في الدنيا في الجملة. واللام فيه للعهد، فلذا صح الإخبار بدنوها, ولو كانت للجنس لما صح؛ لأنه لا فائدة في الإخبار بقرب آزفة ما.
فإن قلت: الإخبار بقرب الآزفة المعهودة لا فائدة فيه أيضًا؟
قلتُ: فيه فائدة، وهو التأكيد، وتقرير الإنذار.