أو: من نور الحق تعالى الذي تجلّى له، أي: ما قال فؤاده لَمَّا رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذباً لأنه عرفه بقلبه، كما عرفه ببصره، وقيل: على إسقاط الخافض، أي: ما كذب القلب فيما رآه البصر، بل ما رآه ببصره حققه، وفي الحديث: سئل صلّى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: «رأيت ربي بفؤادي مرتين» ، حديث آخر: «جعل نور بصري في فؤادي، فنظرتُ إليه بفؤادي» .
يعني أنه انعكس نور البصر إلى نور البصيرة فرأى ببصره ما رأته البصيرة، وجاء
أيضاً: أنه لما انتهى إلى العرش صار كله بصراً، وبهذا يرتفع الخلاف، وأنه رآه ببصر رأسه وقوله صلّى الله عليه وسلم، حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربك؟ فقال: «نورَاني أراه» «1» وفي رواية: «نورٌ أَنَّى أراه» ؟ «2» بالاستفهام.
وفي طريق آخر: «رأيت نوراً» «3»
وحاصلها: أنه رأى ذات الحق متجلية بنور من نور جبروته إذ لا يمكن أن ترى الذات إلا بواسطة التجليات، كما هو مقرر عند محققي الصوفية، كما قال الشاعر:
وليستْ تُنال الذاتُ من غير مَظهرٍ ... ولو هُتك الإنسانُ من شدةِ الحرصِ
وقال كعب لابن عباس: إنَّ الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلَّم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين «4» .
وقيل لابن عباس: ألم يقل الله: (لاَّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) ، قال: ذلك إذا تجلّى بنوره «5» . الذي هو نوره الأصلي، يعني أن الله تعالى يتجلّى لخلقه على ما يطيقون، ولو تجلّى بنوره الأصلي لتلاشى الخلق، كما قال في الحديث: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَو كشَفَهُ لأحرقت تجليات وجهه ما أدركه من بصره» «6» .
(1) ذكر هذه الرّواية بنصها السيوطي في الدر المنثور (6/ 160) وعزاها لمسلم والترمذي وابن مردويه، عن أبى ذر، ولم أقف عليها في مسلم والترمذي. وقال الإمام النّووى في شرح صحيح مسلم (3/ 12) : قال الإمام المازري: وروى: «نورانى أراه» بفتح الرّاء وكسر النّون وتشديد الياء، ويحتمل أن يكون معناه راجعا إلى ما قلنا، أي: خالق النّور المانع من رؤيته، فيكون من صفات الأفعال.
وقال القاضي عياض - رحمه الله: هذه الرّواية لم تقع إلينا، ولا رأيتها في شيء من الأصول. اهـ.
(2) أخرجه مسلم في (الإيمان، باب في قوله صلّى الله عليه وسلم: نور أنى أراه، رقم 291، ح 178) .
(3) أخرجه مسلم في الموضع السابق (رقم 292) .
(4) أخرجه بطوله الترمذي في (التفسير، باب ومن سورة النّجم، ح 3728) .
(5) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (ص 410) وضعّفه، عن عكرمةُ عن ابن عباس، بلفظ: «قال: يا لا أم لك، ذلك نوره الذي هو نوره، إذا تجلى بنوره لا يدركه شئ» .
(6) جزء من حديث صحيح أخرجه مسلم في (الإيمان، باب في قوله عليه السلام: «إنَّ الله لا ينام، رقم 293 ح 179) عن أبى موسى رضي الله عنه.