أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ قال ابن كثير: (أي أوجدوا من غير موجد، أم هم أوجدوا أنفسهم؟ أي لا هذا ولا هذا، بل الله هو الذي خلقهم، وأنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا) ، وقال النسفي: (أي أم أحدثوا وقدروا التقدير الذي عليه فطرتهم من غير شيء، أي من غير مقدر؟ أم هم الذين خلقوا أنفسهم حيث لا يعبدون الخالق، وقيل أخلقوا من أجل لا شيء فلا جزاء ولا حساب أم هم الخالقون فلا يأتمرون)
أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فهم الأرباب، ومن ثم فلا يعبدون خالقهما بَلْ لا يُوقِنُونَ هذه هي علة مواقفهم أنهم لا يتدبرون فيصلون إلى اليقين، فيبنون عليه البناء الصحيح.
قال ابن كثير بين يدي هاتين الآيتين: (هذا المقام في إثبات الربوبية، وتوحيد الألوهية) .
أقول: وفي ختم الآيتين السابقتين بقوله تعالى: بَلْ لا يُوقِنُونَ التي تشير من خلال اتجاهنا في هذا التفسير إلى قوله تعالى في محور السورة وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ نفهم أن الموضوع مرتبط بقضية اليوم الآخر، فإن عدم يقينهم باليوم الآخر أو أوصلهم إلى مواقف تجعلهم يقولون إنهم خلقوا من غير شيء، أو هم الخالقون لأنفسهم، أو الخالقون للسماوات والأرض، ومن ثم يتكبرون عن العبادة والتقوى، وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتعاملون ويتكلمون كأنهم أرباب، وهذا الذي نراه في عصرنا على أشده، إذ نرى الإنسان الكافر يعتبر نفسه غير مكلف، وغير مسئول أمام الله، ويتعامل ويتكلم كأنه رب، وفي قوله تعالى: بَلْ لا يُوقِنُونَ إشارة إلى أن هؤلاء عندهم ريب، وهذا يحول بينهم وبين التقوى، إذ شرط التقوى عدم الريب في أمور بعينها، كما ورد في المحور: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ولنعد إلى السياق: