ثم يهبط بهم درجة عن درجة الخلق والإبداع لأنفسهم أو للسماوات والأرض. فيسألهم: هل هم يملكون خزائن الله ، ويسيطرون على القبض والبسط ، والضر والنفع:
{أم عندهم خزائن ربك؟ أم هم المسيطرون؟} .
وإذا لم يكونوا كذلك ، ولم يدعوا هذه الدعوى. فمن ذا يملك الخزائن ، ومن ذا يسيطر على مقاليد الأمور؟ القرآن يقول: إنه الله القابض الباسط ، المدبر المتصرف. وهذا هو التفسير الوحيد لما يجري في الكون من قبض وبسط وتصريف وتدبير. بعد انتفاء أن يكونوا هم المالكين للخزائن المسيطرين على تصريف الأمور!
ثم يهبط بهم درجة أخرى فيسألهم إن كانت لهم وسيلة للاستماع إلى مصدر التنزيل:
{أمل لهم سُلَّم يستمعون فيه؟ فليأت مستمعهم بسلطان مبين} .
إن محمداً - صلى الله عليه وسلم - يقول لهم: إنه رسول يوحى إليه ، وإن هذا القرآن يتنزل عليه من الملأ الأعلى. وهم يكذبونه فيما يقول. فهل لهم سلم يستمعون فيه ، فيعلموا أن محمداً لا يوحى إليه ، وأن الحق غير ما يقول؟: {فليأت مستمعهم بسلطان مبين} . أي ببرهان قوي يحمل في ذاته سلطاناً على النفوس يلجئها إلى التصديق. وفي هذا التلميح إلى سلطان القرآن الذي يطالعهم في آياته وحججه ، وهم يكابرون فيها ويعاندون!
ثم يناقش إحدى مقولاتهم المتهافتة عن الله سبحانه. تلك التي ينسبون إليه فيها بنوة الملائكة ، الذين يتصورونهم ، إناثاً ؛ موجهاً الخطاب مباشرة إليهم ، زيادة في التخجيل والترذيل:
{أم له البنات ولكم البنون؟} .
وهم كانوا يعتبرون البنات في درجة أقل من درجة البنين ، إلى حد أن تسود وجوههم من الكمد والكظم حين يبشرون بالأنثى. وكانوا مع هذا لا يستحيون من نسبة البنات إلى الله! فهو هنا يأخذهم بعرفهم وتقاليدهم ، ليخجلهم من هذا الادعاء. وهو في ذاته متهافت لا يستقيم!