فهذه الظواهر المدركة.. وأمثالها.. مع ذلك السر الخافي الذي لا سبيل إلى إنكاره.. مما يسبغ على هذا الكتاب سمة الإعجاز المطلق في جميع العصور. وهي مسألة لا يماري فيها إنسان يحترم حسه ، ويحترم نفسه ، ويحترم الحقيقة التي تطالعه بقوة وعمق ووضوح ، حيثما واجه هذا القرآن بقلب سليم.. {فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين} ..
والاستفهام التالي عن حقيقة وجودهم ، هم أنفسهم ، وهي حقيقة قائمة لا مفر لهم من مواجهتها ، ولا سبيل لهم إلى تفسيرها بغير ما يقوله القرآن فيها ، من أن لهم خالقاً أوجدهم هو الله سبحانه. وهو موجود بذاته. وهم مخلوقون.
{أم خلقوا من غير شيء؟ أم هم الخالقون؟} ..
ووجودهم هكذا من غير شيء أمر ينكره منطق الفطرة ابتداء ؛ ولا يحتاج إلى جدل كثير أو قليل. أما أن يكونوا هم الخالقين لأنفسهم فأمر لم يدّعوه ولا يدّعيه مخلوق. وإذا كان هذان الفرضان لا يقومان بحكم منطق الفطرة ، فإنه لا يبقى إلا الحقيقة التي يقولها القرآن. وهي أنهم جميعاً من خلق الله الواحد الذي لا يشاركه أحد في الخلق والإنشاء ؛ فلا يجوز أن يشاركه أحد في الربوبية والعبادة.. وهو منطق واضح بسيط.
كذلك يواجههم بوجود السماوات والأرض حيالهم. فهل هم خلقوها؟ فإنها لم تخلق نفسها بطبيعة الحال كما أنهم لم يخلقوا أنفسهم:
{أم خلقوا السماوات والأرض؟ بل لا يوقنون} ..
وهم - ولا أي عقل يحتكم إلى منطق الفطرة - لا يقولون: إن السماوات والأرض خلقت نفسها ، أو خلقت من غير خالق.
وهم كذلك لا يدّعون أنهم خلقوها.. وهي قائمة حيالهم سؤالاً حياً يتطلب جواباً على وجوده! وقد كانوا إذا سئلوا عمن خلق السماوات والأرض قالوا الله.. ولكن هذه الحقيقة لم تكن تتضح في إدراكهم إلى درجة اليقين الذي ينشئ آثاره في القلب ، ويحركه إلى اعتقاد واضح دقيق.. {بل لا يوقنون} ..