والمعنى: وجعلوا في أموالهم جزءًا معيّنًا ميّزوه، وعزلوه للطالب المحتاج، والمتعفّف الذي لا يجد ما يغنيه، ولا يسأل الناس، ولا يفطنون إليه ليتصدّقوا عليه، أخرج ابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ليس المسكين الذي تردّه التمرة والتمرتان، والأكلة والأكلتان"قيل: فمن المسكين؟ قال:"الذي ليس له ما يغنيه، ولا يعلم مكانه فيتصدّق عليه، فذلك المحروم".
20 -وبعد أن ذكر أوصاف المتقين بيَّن أنه قد لاحت لهم الأدلّة الأرضية والأنفسيّة، التي بها أخبتوا إلى ربّهم، وأنابوا إليه، فقال: {وَفِي الْأَرْضِ} وهذا كلام مستأنف، قصد به الاستدلال على قدرة الله تعالى ووحدانيته، وقد اشتمل على دليلين: الأرض، والأنفس، وأما قوله: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ} . فهو كلام آخر، ليس المقصود به: الاستدلال، بل المقصود به: الامتنان والوعد والوعيد. اهـ شيخنا. {آيَاتٌ} وقرأ قتادة: {آية} بالإفراد؛ أي: وفي الأرض دلائل واضحة على باهر قدرته، وعلامات ظاهرة على بديع صنعته من الجبال، والبر والبحر والأشجار والثمار والأنهار، وفيها آثار الهلاك للأمم الكافرة المكذّبة، لما جاءت به رسل الله سبحانه، ودعتهم إليه. {لِلْمُوقِنِينَ} ؛ أي: للموحّدين الذين سلكوا الطريق السوي البرهاني الموصل إلى المعرفة، فهم نظارون بعيون باصرة، وأفهام نافذة، كلّما رأوا آية عرفوا وجه تأمّلها، فازدادوا إيقانًا على إيقانهم، وخصَّهم بالذكر؛ لأنّهم هم الذين يعترفون بذلك، ويتدبرونه فينتفعون به؛ يعني: أنّ في الأرض دلائل واضحة على وجود الصانع وعلمه وقدرته، وإرادته ووحدته وفرط رحمته، من حيث إنها مدحوة كالبساط الممهد، وفيها مسالك وفجاج للمتقلبين في أقطارها، والسالكين في مناكبها، وفيها سهل وجبل وبر وبحر وقطع متجاورات وعيون متفجرة ومعادن متفننة، وأنها تلقح بألوان النبات، وأنواع الأشجار، وأصناف الثمار المختلفة الألوان والطعوم والروائح، وفيها دواب منبثة، قد رتب كلها، ودبر لمنافع ساكنيها، ومصالحهم في صحتهم واعتلالهم، وقال الكلبيّ: عظات من آثار من تقدّم.