(ثم إنه تعالى بين إحسانهم في العمل فقال جل وعلا: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ أي: كانوا يهجعون في طائفة قليلة من الليل، والهجوع: النوم، فهؤلاء هجوعهم قليل في ليلهم)
وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ قال النسفي:
وصفهم بأنهم يحيون الليل متهجدين، فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم (فما أكثر غفلة الغافلين) والسحر: السدس الأخير من الليل.
وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ أي: لمن يسأل لحاجته وَالْمَحْرُومِ أي: الذي يتعرض ولا يسأل حياء. قال ابن كثير: لما وصفهم بالصلاة ثنى بوصفهم بالزكاة والبر والصلة،
وفسر ابن كثير الحق بأنه: جزء مقسوم قد أفرزوه للسائل والمحروم.
وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ قال النسفي: (تدل على الصانع وقدرته وحكمته وتدبيره حيث هي مدحوة كالبساط لما فوقها، وفيها المسالك والفجاج للمتقلبين فيها، وهي مجزأة: فمن سهل، ومن جبل، وصلبة، ورخوة، وسبخة، وفيها عيون متفجرة، ومعادن، ودواب منبثة مختلفة الصور والأشكال، متباينة الهيئات والأفعال) . لِلْمُوقِنِينَ قال النسفي: أي للموحدين الذين سلكوا الطريق السوي الواضح الموصل إلى المعرفة، فهم نظارون بعيون باصرة وأفهام نافذة، كلما رأوا آية عرفوا وجه تأملها فازدادوا إيقانا على إيقانهم).
وَفِي أَنْفُسِكُمْ قال النسفي:(أي في حال ابتدائها وتنقلها
من حال إلى حال، وفي بواطنها وظواهرها من عجائب الفطر وبدائع الخلق ما تتحير فيه الأذهان، وحسبك بالقلوب وما ركز فيها من العقول، وبالألسن والنطق ومخارج الحروف وما في تركيبها وترتيبها ولطائفها من الآيات الساطعة، والبينات القاطعة على حكمة مدبرها وصانعها. دع الأسماع والأبصار والأطراف وسائر الجوارح، وتأتيها لما خلقت له، وما سوى في الأعظم من المفاصل للانعطاف والتثني، فإنه إذا جسا منها شيء جاء العجز، وإذا استرخى أناخ الذل فتبارك الله أحسن الخالقين، وما قيل إن التقدير أفلا تبصرون في أنفسكم ضعيف؛ لأنه يفضي إلى تقديم ما في حيز الاستفهام على حرف الاستفهام). أَفَلا تُبْصِرُونَ أي: أفلا تنظرون نظر من يعتبر