الحجة السابعة: الروحانيات لهم قوة على تصريف الأجسام وتقليب الأجرام والقوة التي هي لهم ليست من جنس القوى المزاجية حتى يعرض لها كلال ولغوب ، ثم إنك ترى الخامة اللطيفة من الزرع فِي بدء نموها تفتق الحجر وتشق الصخر وما ذاك إلا لقوة نباتية فاضت عليها من جواهر القوى السماوية فما ظنك بتلك القوى السماوية والروحانيات هي التي تتصرف فِي الأجسام السفلية تقليباً وتصريفاً لا يستثقلون حمل الأثقال ولا يستصعبون تحريك الجبال فالرياح تهب بتحريكاتها والسحاب تعرض وتزول بتصريفها وكذا الزلازل تقع فِي الجبال بسبب من جهتها والشرائع ناطقة بذلك على ما قال تعالى: {فالمقسمات أَمْراً} [الذاريات: 4] والعقول أيضاً دالة عليه والأرواح السفلية ليست كذلك فأين أحد القسمين من الآخر.
والذي يقال أن الشياطين التي هي الأرواح الخبيثة تقدر على ذلك ممنوع وبتقدير التسليم فلا نزاع فِي أن قدرة الملائكة على ذلك أشد وأكمل ولأن الأرواح الطيبة الملكية تصرف قواها إلى مناظم هذا العالم السفلي ومصالحها والأرواح الخبيثة تصرف قواها إلى الشرور فأين أحدهما من الآخر.
الاعتراض: لا يبعد أن يتفق فِي النفوس الناطقة البشرية نفس قوية كاملة مستعلية على الأجرام العنصرية بالتقليب والتصريف فما الدليل على امتناع مثل هذه النفس.
الحجة الثامنة: الروحانيات لها اختيارات فائضة من أنوار جلال الله عزّ وجلّ متوجهة إلى الخيرات مقصورة على نظام هذا العالم لا يشوبها ألبتة شائبة الشر والفساد بخلاف اختيارات البشر فإنها مترددة بين جهتي العلو والسفالة وطرفي الخير وميلهم إلى الخيرات إنما يحصل بإعانة الملائكة على ما ورد فِي الأخبار من أن لكل إنسان ملكاً يسدده ويهديه.