فمنهم مَنْ قال: إن النطق بالشهادتين شطر من الإيمان وجزء منه داخل في مسماه، وإليه ذهب الإمام النووي رحمه الله، وحكى الاتفاق عليه، فقال في شرح مسلم: اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يُحكم بأنه من أهل القبلة، ولا يخلد في النار لا يكون إلا مَنْ اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقاداً جازماً خالياً من الشكوك، ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلاً، إلا إذا عجز عن النطق، لخللٍ في لسانه، أو لعدم التمكن منه لمعاجلة المنية، أو لغير ذلك فإنه يكون حينئذ مؤمناً -
يعني بالاعتقاد من غير تلفظ بالشهادتين، وعليه فمدار استحقاق البشارة مجموع الأمرين، وصح كلام المفتي لكن يخرج منه مَنْ لم ينطق بالشهادتين لعذرٍ كما مرَّ.
قلت: ولعل ما حكاه الإمام النووي رحمه الله محمول على الكافر الأصلي إذا آمن بقلبه فقط، وإلا فقد اتفقوا على الإسلام بالتبعية، وفي مسائل أخر بلا نطق بالشهادتين.
والذي ذهب إليه جمهور المحققين أنّ النطق بالشهادتين إنما هو شرط لإجراء الأحكام الدنيوية من الصلاة عليه، والتوارث والمناكحة وغيرها،
غير داخل في مسمى الإيمان، وعليه فمن صدق بقلبه ولم يقر بلسانه مع تمكنه من النطق بالشهادتين فهو مؤمن عند الله، ويؤيد ذلك الحديثُ الصحيح، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: مَنْ مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة. فاقتصر الشارع صلى الله عليه وسلم على العلم دون العمل، فظهر بهذا أن الإيمان وحده بدون العمل، به اعتبار وأي اعتبار، وعليه فعطف العمل على الإيمان في الآيات لبيان الأشرف الكامل أو الغالب.
أو إنَّ المراد به المستحق للبشارة من غير سابقة عذابٍ بخلاف مَنْ لم يعمل فهو داخل في المشيئة وإنْ كان لا يخلد في النار، كما دل عليه الحديث الصحيح فتأمل.
فالمؤمن المطيع له الجنة بوعد من الله تعالى من غير تعذيب، والكافر له التعذيب المؤبد بوعيد الله تعالى، والمؤمن العاصي في مشيئة الله تعالى، إن شاء غفر له وأدخله الجنة بلا تعذيب، وإن شاء عذبه بذنبه ثم أدخله الجنة بفضله.