وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها في الدنيا أي لو شئنا أعطينا كل نفس ما عندنا من اللطف الذي لو كان منهم اختيار ذلك لاهتدوا، لكن لم نعطهم ذلك اللطف لما علمنا منهم اختيار الكفر وإيثاره وَلكِنْ حَقَّ أي وجب الْقَوْلُ مِنِّي بما علمت أنّه يكون منهم ما يستوجبون به جهنّم، وهو ما علم منهم أنّهم يختارون الردّ والتكذيب لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ أي من الصنفين، قرارهم النار لا محيد لهم عنها ولا محيص لهم منها. قال النسفي: (وفي تخصيص الإنس والجن إشارة إلى أنّه عصم ملائكته عن عمل يستوجبون به جهنم)
فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ
هذا أي يقال لأهل النار على سبيل التقريع والتوبيخ: ذوقوا هذا العذاب بسبب تكذيبكم به، واستبعادكم وقوعه، وتناسيكم له، إذ عاملتموه معاملة من هو ناس له إِنَّا نَسِيناكُمْ أي تركناكم في العذاب كالمنسي. قال ابن كثير: (أي سنعاملكم معاملة النّاسي لأنه تعالى لا ينسى شيئا ولا يضل عنه شيء، بل من باب المقابلة) وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ أي العذاب الدائم الذي لا انقطاع له بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الكفر والمعاصي، أي بسبب كفركم وتكذيبكم. وبعد أن بيّن الله عزّ وجل حال الكافرين ومآلهم يذكر الآن علامة الإيمان بالقرآن مما يشير إلى أن من ذكر سابقا ليسوا مؤمنين بالقرآن. فالسياق إذن سائر على نسق واحد هو تبيان قضية نفي الريب في القرآن وتعميق الإيمان.
إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا أي يصدّق بها ولا يرتاب الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها أي وعظوا بها خَرُّوا سُجَّداً أي سجدوا لله تواضعا وخشوعا وشكرا على ما رزقهم من الإسلام. قال ابن كثير: أي استمعوا لها وأطاعوها قولا وفعلا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ أي ونزّهوا الله عما لا يليق به وأثنوا عليه حامدين له وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ عن الإيمان والسجود واتّباع آيات الله والانقياد لها فهم لا يستكبرون كما يفعل الجهلة من الكفرة الفجرة، قال الألوسي: قال أبو حبان:
(هذه السجدة من عزائم سجود القرآن)