اهْجُرْ بِالنَّهَارِ طِيبَ الطَّعَامِ، وَدَعْ فِي الدُّجَى لَذِيذَ الْمَنَامِ، وَقُلْ لأَغْرَاضِ النَّفْسِ: سَلامٌ، وَاللَّهُ يدعو إلى دار السلام، فَمَا يَقْعُدُ السَّامِعُ {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} .
يَا مَنْ يَرْجُو مَقَامَ الصَّالِحِينَ، وَهُوَ مُقِيمٌ مَعَ الْغَافِلِينَ، وَيَأْمُلُ مَنَازِلَ الْمُقَرَّبِينَ، وَهُوَ يَنْزِلُ مع المذنين، دَعْ هَذَا الْوَاقِعَ. الصِّدْقَ الصِّدْقَ فِيهِ تَسْلَمُ، الْجِدَّ الْجِدَّ فِيهِ تَغْنَمُ، الْبِدَارَ الْبِدَارَ قَبْلَ أَنْ تَنْدَمَ، هَذَا هُوَ الدَّوَاءُ النَّافِعُ {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} والله أعلم.
(فصل)
سفر الليل لا يطيقه إلى مضمر المجاعة تجتمع جنود الكسل فتتشبث بذيل التواني فتزين حب النوم وتزخرف طيب الفراش وتخوف برد الماء فإذا ثارت شعلة من نار الحزم أضاءت بها طريق القصد فسمعت أذن اليقين هاتف: هل من سائل نفس المحب في الليل على آخر نفس وفي"المتعبدين قوة"وهم يستغفرون صراخ الأطفال غير بكاء الرجال سهر الليل هودج الأحباب يوقظ نسيم الأسحار أعين ذوق الأخطار فلو رأيتهم وَقَد لاحَت الجوزاءُ وَأنحَدَرَ النَّسرُ قد افترشوا بساط"قيس"وباتوا بليل"النابغة"إن ناموا توسدوا أذرع الهمم وإن قاموا فعلى أقدام القلق كأن النوم حلف على جفاء أجفانهم هَذا رِضاكَ نَفى نَومي فأَرَقَني فَكَيفَ يا أَمَلي إِن كُنتَ غَضبانا ما زالوا على مطايا الأقدام إلى أن نم النسيم بالسحر وقام الصارخ ينعي الظلام فلما تمخض الدجى بحمل السحر تساندوا إلى رواحل الإستغفار.
شَكونا إِلى أَحبابِنا طَولَ لَيلَنا فَقالوا لَنا ما أَقصَرَ اللَيلَ عِندَنا رياح الأسحار أقوات الأرواح رقت فراقت فبردت حر الوجد وبلغت رسائل الحب.
أَلا يا صِبا نَجِدُ مَتى هُجتَ مِن نَجدٍ لَقَد زادَني مَسراكَ وَجداً عَلى وَجدِ مكروب الوجدن يرتاح إلى النسيم وإن قلقل الواجد.
بَينَ شَمالَ وَصِبا حَنَّ مَشوقٌ وَصَبا وَمُرنَّحِ فِطَنَ النَسيمُ بِوَجدِهِ فَروى لَهُ خَبَر العُذَييبِ مَعرِّضا خلوا بالحبيب في دار المناجاة فكساهم ثياب الموصلة وضمخهم بطيب المعاملة وغالية السحر غالية يصبحون وعليهم سيما القرب.
تفوح أرواح نجد من ثيابهم فتأسف يا جيفة النوم وابك يا عريان الغفلة أتدري كيف مر عليهم الليل ألك علم بما جرى للقوم.