يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ أي يدبر أمر الكون كله في العالم العلوي والسفلي، ثم يصعد إليه أثر الأمر وتنفيذه بواسطة الملائكة، وهذا تمثيل لعظمة الله وامتثال المخلوقات جميعا لمراده وتدبيره، كالحاكم المطلق الذي يصدر أوامره، ثم يتلقى من أعوانه ما يدل على تنفيذها.
فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ أي ترفع الأمور الحاصلة في الدنيا صغيرها وكبيرها إلى الله تعالى يوم القيامة ليفصل فيها ويحكم في شأنها، ويوم القيامة مقداره ألف سنة من أيام الدنيا التي نعدّها في هذه الحياة.
والمراد بالألف: الزمن المتطاول الذي هو في لغة العرب أقصى نهاية العدد.
وفي موضع آخر وصف الله تعالى مقدار هذا اليوم بخمسين ألف سنة: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج 70/ 4] قال القرطبي: المعنى أن الله تعالى جعله في صعوبته على الكفار كخمسين ألف سنة، قاله ابن عباس، والعرب تصف أيام المكروه بالطول وأيام السرور بالقصر.
وقيل: إن يوم القيامة فيه أيام فمنه ما مقداره ألف سنة، ومنه ما مقداره خمسون ألف سنة.
ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ أي المدبر لهذه الأمور هو العالم بجميع الأشياء، يعلم ما يغيب عن الأبصار، مما يجول في خلجات النفس، وما لا تدركه العين المجردة، ويعلم ما هو مشاهد تعاينه الأبصار، وهو العزيز الذي قد عزّ كل شيء، فقهره وغلبه، ودانت له العباد والرقاب، القوي الشديد في انتقامه ممن كفر به وأشرك معه غيره، وكذب رسله، وهو الرحيم بعباده المؤمنين الطائعين القانتين التائبين الذين يعملون الصالحات، يرحمهم في تدبير شؤونهم في الدنيا وفي الآخرة.
وبعد إثبات الوحدانية بالآفاق من خلق السموات والأرض، ذكر تعالى الدليل الدال عليها من الأنفس، فقال:
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ أي إن ذلك المدبر للأمور العليم الخبير القوي الرحيم هو الذي أحسن خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها، وبدأ خلق أبي البشر آدم من طين، والطين مكوّن من ماء وتراب.