ذكرنا بإيمان وعقل صائب وجد الأمر على ما قدماه(وَاللهُ يَقول الحَقَّ وَهُوَ يهْدي
السًبِيلَ).
ولا يبعدن عليك - يسرك الله لليسرى - فهم هذه العبارة عما نحن بسبيله،
فإنك بالضرورة أو بأيسر نظر تعلم ألَّا أين في حيث لا أين حق يقين، ثُمَّ لا أين في
حيث الأين في حق من لا يجوز عليه الأين أجود أتم وجودًا من لا أين في حق من
لا يجوز عليه إلا الأين، فأين مكان الروح في الجسم؛ وكذلك العقل والفهم والعلم
وغير ذلك.
فإن قلنا: إنه في الجسم، فأين مكنه وموضع وجوده منه؛ فإن أشرت إلى عضو
من أعضاء أاجم كالقلب أو الدماغ أو غيرهما لم تجد له فيما هنالك سوى منبعث
أحكام تعرف به ويعرف بها، حتى لو عدمت تلك الأحكام والأفعال لم تجد سبيلا إلى
معرفة وجوده بعدها، وكذلك غيره من الصفات وإلا فإذا فني الجسم وخرج هذا
المشار إليه منه فأين هو؟ وإلى حيث يتحيز، وهذه آيات على المطلوب الأعلى.
قال الله - جل من قائل: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ) .
وقال: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ(21) .
وقال: (وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ(4) . فافهم،
فهمنا الله وإياك عنه، فإن أطراف الكلام جمعت إليك وقربت لك حقائق التوحيد
ببراهين الوحي.
أتبع ذلك ما هو في معناه قوله - جل قوله: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(6) .
لما كان الحي القيوم هو المستوي على العرش والعرش
محيط بالجملة به، وبالاستواء كان في كل مكان بلا مكان يعلم الشهادة والغيب،
ولا غيب في حقه، هو (الْعَزِيزُ) الذي لا يلحقه أحكام المخلوقات ولا تناله أوصاف
المحدثات (الرَّحِيمُ) بعباده [المؤمنين] .
(فصل)
فوجه الجمع بين ما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذكره أن:"الثمانية الأوعال تحمل"
عرش السماء الدنيا"وما جاء من ذلك في الكتب الأول، وبين ما جاء في معهود"
كتابنا والوحي الذي أنزل إلينا، كقول الله - جلَّ جلالُه -: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ