فبعد أنْ عادوا إلى رشدهم واتهموا أنفسهم بالظلم انتكسوا وعادوا إلى باطلهم ، فقالوا: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤلاء يَنطِقُونَ} [الأنبياء: 65]
وورد هذا اللفظ أيضاً في قوله تعالى: {وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخلق أَفَلاَ يَعْقِلُونَ} [يس: 68]
والمعنى: نرجعه من حال القوة والفتوة إلى حال الضعف والهرم وعدم القدرة ، كما قال سبحانه: {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ...} [النحل: 70]
فبعد القوة يتكئ على عصا ، ثم لا يستطيع السير فيحبو ، أو يُحمل كما يُحمل الطفل الصغير ، هذا هو التنكيس في الخَلْق ، وحين نتأمله نقول: الحمد لله لو عافانا من هذه الفترة وهذه التنكيسة ، ونعلم أن الموت لُطْف من الله ورحمة بالعباد ، أَلاَ ترى أن مَنْ وصل إلى هذه المرحلة يضيق به أهله ، وربما تمنَّوْا وفاته ليستريح وليستريحوا؟
وتنكيس رءوس المجرمين فيه إشارة إلى أن هذه هي العاقبة فاحذر المخالفة ، فمَنْ تكبر وتغطرس في الدنيا نُكِّسَتْ رأسه في الآخرة ، ومَنْ تواضع لله في الدنيا رُفِعت رأسه ، وهذا معنى الحديث الشريف:"من تواضع لله رفعه".
وفي تنكيس رءوس المجرمين يوم القيامة معنى آخر ؛ لأن الحق - سبحانه وتعالى - سيفعل في كل مخالف في الآخرة من جنس ما فعل في الدنيا ، وهؤلاء الذين نكَّس الله رءوسهم في الآخرة فعلوا ذلك في الدنيا ، واقرأ إن شئتَ قول ربك: {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ ...} [هود: 5]
أي: يطأطئون رءوسهم ؛ لكي لا يواجهوا رسول الله ، فللحق صَوْلة وقوة لا يثبت الباطل أمامها ؛ لذلك نسمع من أصحاب الحق: تعالَ واجهني ، هات عيني في عينك ، ولا بُدَّ أنْ يستخزي أهل الباطل ، وأنْ يجبنوا عن المواجهة ؛ لأنها ليست في صالحهم .