وقوله عن ملك الموت {الذي وُكِّلَ بِكُمْ . .} [السجدة: 11] أي: يرقبكم ولا يغفل عنكم ، يلازمكم ولا ينصرف عنكم ، بحيث لا مهربَ منه ولا فكَاك ، كما قال أهل المعرفة: الموت سهم انطلق إليك فعلاً ، وعمرك بمقدار سفره إليك ، فهو واقع لا محالة . كما قلنا في المصيبة وأنها ما سُمّيت مصيبة إلا أنها ستصيبك لا محالة .
وقوله: {ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة: 11] أي: يوم القيامة .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون ...} .
تصوِّر لنا هذه الآية مشهداً من مشاهد يوم القيامة ، يوم يُساق المجرم ذليلاً إلى ما يستحق من العذاب ، كأنْ ترى مجرماً مثلاً تسوقه الشرطة وهو مُكبِّل بالقيود يذوق الإهانة والمذلّة ، فتشفى نفسك حين تراه ينال جزءاه بعد أنْ أتعب الدنيا وأداخ الناس .
وفي هذا المشهد يخاطب الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم ، وهو أول مخاطب ، ثم يصبح خطاباً لأمته: {وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ . .} [السجدة: 12] أي: حالة وجودهم أنهم ناكسو رءوسهم . وتقدير جواب الشرط: لرأيتَ أمراً عجيباً يشفى صدرك مما فعلوه بك .
ونلحظ في هذا الأسلوب دقة الأداء في قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى . .} [السجدة: 12] فلم يقل مثلاً: ولو تعلم ؛ لأن إخبار الله كأنه رؤيا العين ، فحين يخبرك الله بأمر ، فاعلم أنه أصدق من عينك حين ترى ؛ لأن عينك قد تخدعك ، أما إخبار الله لك فهو الحق .
ومعنى {نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ . .} [السجدة: 12] النكس هو جَعْل الأعلى أسفل ، والرأس دائماً في الإنسان أعلى شيء فيه .
وقد وردتْ هذه المادة في قوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام حين حطم الأصنام ، وعلَّق الفأس على كبيرهم: {ثُمَّ نُكِسُواْ على رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤلاء يَنطِقُونَ} [الأنبياء: 65]