فالذي يُتوفَّى لم يُعدم ، إنما هو موجود وجوداً كاملاً ، روحه وجسده ، والله قادر على إعادته يوم القيامة ؛ لذلك لم يقُلْ أعدمنا . وهذه المسألة تحلُّ لنا إشكالاً في قصة سيدنا عيسى - عليه السلام - فقد قال الله فيه: {إِذْ قَالَ الله يا عيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ...} [آل عمران: 55]
فالبعض يقول: إنه عليه السلام تُوفِّي أولاً ، ثم رفعه الله إليه . والصواب أن واو العطف هنا تفيد مطلق الجمع ، فلا تقتضي ترتيباً ولا تعقيباً ، واقرأ إنْ شئتَ قول الحق سبحانه وتعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ ...} [الأحزاب: 7]
والخطاب هنا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ونوح عليه السلام قبله .
فالمعنى هنا أن الله تعالى قدَّم الوفاة على الرفع ، حتى لا يظن أحد أن عيسى - عليه السلام - تبرأ من الوفاة ، فقدَّم الشيء الذي فيك شكٌّ أو جدال ، وما دام قد توفّاه الله فقد أخذه كاملاً غير منقوص ، وهذا يعني أنه لم يُصْلَب ولم يُقتل ، إنما رفعه الله إليه كاملاً .
وقوله تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الموت . .} [السجدة: 11] جاءت ردّا على قولهم: {أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ...} [السجدة: 10] فالحق الذي قال أنا خلقتُ الإنسان لم يقُلْ وأنا سأعدمه إنما سأتوفاه ، فهو عندي كاملٌ بروحه وبذراته التكوينية ، والذي خلق في البَدْء قادر على الإعادة ، وجمع الذرات التي تشتتت .