ويعلم مما ذكرنا وجه العدول عن ضمير العظمة في قوله سبحانه: {وَلَوْ شِئْنَا لاَتَيْنَا} إلى ضمير الوحدة في قوله جل وعلا: {ولكن حَقَّ القول مِنْى} وذلك لأن ما ذكر إشارة إلى ما وقع في الرد على اللعين وقد وقع فيه القول ولإملاء مسندين إلى ضمير الوحدة ليكون الكلام على طرز {لاَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ} في توحيد الضمير ، وقد يقال: ضمير العظمة أوفق بالكثرة الدال عليها {كُلُّ نَفْسٍ} والضمير الآخر أوفق بما دون تلك الكثرة الدال عليه {مِنَ الجنة} والناس أو يقال: إنه وحد الضمير في الوعيد لما أن المعنى به المشركون فكأنه أخرج الكلام على وجه لا يتوهم فهي متوهم نوعاً من أنواع الشركة أصلاً أو أخرج على وجه يلوح بما عدلوا عنه من التوحيد إلى ما ارتكبوه مما أوجب لهم الوعيد من الشرك ، أو يقال: وحد الضمير في {لاَمْلاَنَّ} لأن الإملاء لا تعدد فيه فتوحيد الضمير أوفق به ويقال نظير ذلك في {حَقَّ القول مِنْى} والإيتاء يتعدد بتعدد المؤتى فضمير العظمة أوفق به ويقال نظيره في {شِئْنَا} فتدبر ، ولا يلزم من قوله تعالى: {أَجْمَعِينَ} دخول جميع الجن والإنس فيها ، وأما قوله تعالى: {وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [مريم: 1 7] فالورود فيه غير الدخول ، وقد مر الكلام في ذلك لأن {أَجْمَعِينَ} تفيد عموم الأنواع لا الأفراد فالمعنى لأملأنها من ذينك النوعين جميعاً كملأت الكيس من الدراهم والدنانير جميعاً كذا قيل ، ورد بأنه لو قصد ما ذكر لكان المناسب التثنية دون الجمع بأن يقال كليهما ، واستظهر أنها لعموم الأفراد والتعريف في {الجنة} للعهد والمراد عصاتها ويؤيده الآية المتضمنة خطاب إبليس ، وحاصل الآية لو شئنا إيتاء كل نفس هداها لآتيناها إياه لكن تحقق القول مني لأملأن جهنم الخ فبموجب ذلك القول لم نشأ إعطاء الهدى على العموم بل منعناه من أتباع إبليس الذين أنتم من جملتهم حيث