وقيل: للإيماء إلى أن مدركه نوع واحد وهو الصوت بخلاف البصر فإنه يدرك الضوء واللون والشكل والحركة والسكون وبخلاف الفؤاد فإنه يدرك مدركات الحواس بواسطتها وزيادة على ذلك أي خلق لمنفعتكم تلك المشاعر لتعرفوا أنها مع كونها في أنفسها نعماً جليلة لا يقادر قدرها وسائل إلى التمتع بسائر النعم الدينية والدنيوية الفائضة عليكم وتشكروها بأن تصرفوا كلاً منها إلى ما خلق هو له فتدركوا بسمعكم الآيات التنزيلية الناطقة بالتوحيد والبعث وبأبصاركم الآيات التكوينية الشاهدة بهما وتستدلوا بأفئدتكم على حقيقتها ، وقوله تعالى: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} بيان لكفرهم بتلك النعم بطريق الاعتراض التذييلي والقلة بمعنى النفي كما ينبي عنه ما بعده.
ونصب الوصف على أنه صفة لمحذوف وقع معمولاً لتشكرون أي شكراً قليلاً تشكرون أو زماناً قليلاً تشكرون.
واستظهر الخفاجي عليه الرحمة كون الجملة حالية لا اعتراضية.
{وَقَالُواْ} كلام مستأنف مسوق لبيان أباطيلهم بطريق الالتفات إيذاناً بأن ما ذكر من عدم شكرهم تلك النعم موجب للإعراض عنهم وتعديد جناياتهم لغيرهم بطريق المباثة ، وروى أن القائل أبي بن خلف فضمير الجمع لرضا الباقين بقوله {أَءذَا ضَلَلْنَا فِى الأرض} أي ضعنا فيها بأن صرنا تراباً مخلوطاً بترابها بحيث لا نتميز منه فهو من ضل المتاع إذا ضاع أو غبنا فيها بالدفن وإن لم نصر تراباً وإليه ذهب قطرب ، وأنشد قول النابغة يرثي النعمان بن المنذر:
وآب مضلوه بعين جلية...
وغودر بالجولان حزم ونائل
وقرأ يحيى بن يعمر.
وابن محيصن.
وأبو رجاء. وطلحة
وابن وثاب {ضَلَلْنَا} بكسر اللام ويقال: ضل يضل كضرب يضرب وضل يضل كعلم يعلم وهما بمعنى والأول اللغة المشهورة الفصيحة وهي لغة نجد والثاني لغة أهل العالية.
وقرأ أبو حيوة {ضَلَلْنَا} بضم الضاد المعجمة وكسر اللام ورويت عن علي كرم الله تعالى وجهه.
وقرأ الحسن. والأعمش