فالنفس الإنسانية بخير ما دام فيها الإشراقيات الإلهية الأولى التي شهدتْ أن الله هو الرب ، لكن إذا تضبَّبت فلا بُدَّ أن تحدث الخيبة ويدخل الفساد .
إذن: التديُّن طَبْع في النفس ، لكن التديُّن الحق له مطلوبات ومنهج بافعل كذا ، ولا تفعل كذا ، وهذا يريد أنْ يُرضي نفسه بأن يكون مُتديناً ، لكن يريد أنْ يريح نفسه من مطلوبات هذا التدين ، فماذا يفعل؟ يلجأ إلى عبادة إله لا مطلوبات له ، وقد توفرت هذه في عبادة الأصنام .
لكن نقول لمن عبد الأصنام: لا بُدَّ أنْ يأتي عليك الوقت الذي لا تلتفت فيه إلى الأصنام ، بل إلى الإله الحق الذي هربتْ من مطلوباته وانصرفت عن عبادته ، لا بُدَّ أن تُلجئك الأحداث إلى أنْ تلوذ به ؛ لذلك يقولون في المثل (اللي متحبش تشوف وجهه ، يُحوجك الزمن لقفاه) .
فأنتم أعرضتم عن الله وكفرتم به ، فلما نزلت بكم الأحداث وأحاطت بكم الأمواج صِرْتم أرانب ، فلماذا الآن تلجئون إلى الله؟ لماذا لم تستمروا على عنادكم وتكبُّرهم حتى على الله؟
ثم يقول تعالى: {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ . .} [لقمان: 32] وكان ينبغي عليهم بعد أنْ نجاهم وأسعفهم ، كان ينبغي عليهم أن يؤمنوا به ، وأنْ يطيعوه ، وأن تؤثر فيهم هذه الهزة التي زلزلتهم ، إلا أنهم عادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والإعراض عن الله ، وطاوع نفسه وشهوته .
هذه هي حال الكافر حينما يتعرض للابتلاء والتمحيص ، فإنه ينتكس ولا يرعوى على خلاف المؤمن ، فإنه إن تعرَّض لمثل هذا الاختبار يزداد إيماناً ويقيناً .
والمقتصد هو البين بين ، تأخذه الأحداث والخطوب ، فتردُّه إلى الله حال الكرب والشدة ، لكنه إذا كشف عنه تردد وضعفتْ عنده هذه الروح ، بدليل أن الله تعالى يذكر في مقابل المقتصد نوعاً آخر منهم غير مقتصد {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} [لقمان: 32]