وإنما ذكرت السبعة بعد ذلك على وجه المبالغة دون إرادة الحصر، وإلا فلو اجتمعت عشرات البحار ما نفدت كلمات الله.
قال صاحب الكشاف فإن قلت: مقتضى الكلام أن يقال: ولو أن الشجر أقلام، والبحر مداد؟ قلت: أغنى عن ذكر المداد قوله يَمُدُّهُ لأنه من قولك: مد الدواة وأمدها. جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة، وجعل الأبحر السبعة مملوءة مدادا، فهي تصب فيه مدادها أبدا صبا لا ينقطع.
فإن قلت: الكلمات جمع قلة، والموضع موضع التكثير لا التقليل، فهلا قيل: كلم الله؟.
قلت: معناه أن كلماته لا تفي بكتابتها البحار فكيف بكلمة؟.
وقال الآلوسي: والمراد بكلماته - تعالى - كلمات علمه - سبحانه - وحكمته. وقيل:
المراد بها: مقدوراته وعجائب خلقه، والتي إذا أراد - سبحانه - شيئا منها قال له: كُنْ فَيَكُونُ.
ثم أتبع - سبحانه - ذلك بيان نفاذ قدرته فقال: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ .... أي: ما خلقكم - أيها الناس - جميعا، ولا بعثكم يوم القيامة، إلا كخلق نفس واحدة أو بعثها، لأن قدرته - عز وجل - يتساوى معها القليل والكثير، والصغير والكبير، قال - تعالى - إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
وقال - سبحانه -: وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ.
إِنَّ اللَّهَ - تعالى -: سَمِيعٌ لكل شيء بَصِيرٌ بأحوال خلقه لا يخفى عليه شيء منهم.
ثم ذكر - سبحانه - الناس بجانب من مظاهر قدرته ونعمه عليهم، لكي يخلصوا له العبادة والطاعة، فقال - تعالى -:
[سورة لقمان (31) : الآيات 29 إلى 32]
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(29)
والاستفهام في قوله - سبحانه -: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ ... للتقرير.
والخطاب لكل من يصلح له ليعتبر ويتعظ، ويخلص العبادة لله - تعالى - .
وقوله يُولِجُ من الإيلاج بمعنى الإدخال. يقال: ولج فلان منزله، إذا دخله ...