لذلك ؛ قلنا في الحروب التي تنشب بين الناس: إنها لا تنشب بين حقين ؛ لأن الحقيقة لا يوجد فيها حقَّان ، إنما هو حق واحد ، والآخر لا بُدَّ أن يكون باطلاً ، أو تنشأ بين باطلين ، أما نشأتها بين حق وباطل فإنها في الغالب لا تطول ؛ لأن الباطل زهوق .
والعاقبة لا بُدَّ أنْ تكون للحق ولو بعد حين ، أما الباطل فإنه زَهُوق ، إنما تطول المعركة إنْ نشبت بين باطلين ، فليس أحد الطرفين فيها أهلاً لنصرة الله ، فتظل الحروب بينهما حتى يتهالكا ، وتنتهي مكاسب طغيان كل منهما ، ولا يردهما إلا مذلَّة اللجوء إلى التصالح بعد أنْ فقدا كل شيء .
لذلك نرى هذه الظاهرة أيضاً في توزيع التركات والمواريث بين المستحقين لها ، حيث ينشب بينهم الخلاف والطعن واللجوء إلى القضاء والمحامين حتى يستنفد هذا كله جزءاً كبيراً من هذه التركة ، حتى إذا ما صَفَتْ مما كان بها من أموال جُمعتْ بالباطل ترى الأطراف يميلون إلى الاتفاق والتصالح وتقسم ما بقي .
واقرأ إنْ شئت حديث رسول الله صلى الله عليهم وسلم:"مَنْ أصاب مالاً من مهاوش أذهبه الله في نهابر"ومعنى: مهاوش يعني التهويش أو كما نقول (بيهبش) من هنا ومن هنا ، وطبيعي أن يُذهِب الله هذا المال في الباطل وما لا فائدة منه .
وسبق أن أعطينا مثلاً لمصارف المال الحرام بالأب يرجع إلى بيته ، فيجد ابنه مريضاً حرارته مرتفعة ، فيسرع به إلى الطبيب ويصيبه الرعب ، ويتراءى له شبح المرض ، فينفق على ابنه المئات ، أما الذي يعيش على الكفاف ويعرق في كسب عيشه بالحلال فيكفيه في مثل هذه الحالة قرص أسبرين وكوب ليمون ، فالأول أصاب ماله من مهاوش ، والآخر أصابه من الحلال .