{فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله ...} [الشورى: 40] وقال في موضع آخر: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} [النحل: 126]
فحين يبيح لك ربك أنْ تأخذ بحقك تهدأ نفسك ، وربما تتنازل عن هذا الحق بعد أن أصبح في يدك ؛ لذلك كثيراً ما نرى - خاصة في صعيد مصر حيث توجد عادة الأخذ بالثأر - القاتل يأخذ كفنه على يديه ، ويدخل به على ولي الدم ، ويُسلِّم نفسه إليه ، وعندها لا يملك ولي الدم إلا أن يعفو .
حتى في مسألة القتل والقصاص يجعل الحق سبحانه مجالاً لترقية النفس البشرية وأريحيتها ، بل ويُسمِّي الطرفين إخوة في قوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فاتباع بالمعروف وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ...} [البقرة: 178]
ففي هذا الجو وفي أثناء ما تسيل الدماء يُحدِّثنا ربنا عن العفو والإحسان والأخوة ، ومعلوم أن هناك فَرْقاً بين أن تأخذ الحق ، وبين أنْ تنفذ أخذ الحق بيدك .
فالله تعالى خالق النفس البشرية ويعلم ما جُبلَتْ عليه من الغرائز وما تُكِنّه من العواطف ، وما يستقر فيها من القيم والمبادئ ، لكنه - سبحانه وتعالى - لا يبني الحكم على ارتفاع المناهج في الإنسان ، إنما على ضوء هذه الطبيعة التي خلقه عليها ، فليس الخَلْق كلهم على درجة من الورع تدعوهم إلى العفو والصفح ؛ لذلك أعطاك حقَّ الرد بالمثل على مَن اعتدى عليك {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ...} [الشورى: 40] وقال: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ...} [النحل: 126]
ومع ذلك حين تتأمل هذه الآيات تجد أن تنفيذها من الصعوبة بمكان ، فمَنْ لديه القدرة والمقاييس الدقيقة التي تُوقِفه عند حدِّ المثلية التي أمر الله بها؟