وسبق أنْ بيَّنا: أنه إذا اعتدى عليك شخص وضربك مثلاً ، أتستطيع أنْ تضربه مثل ضربته لا تزيد عليها ، لأنك إنْ زدتَ صرْتَ ظالماً ، واقرأ بقية الآية: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظالمين} [الشورى: 40]
وسبق أنْ ذكرنا قصة المرابي اليهودي الذي اتفق مع مدينه على أنْ يقطع من جسمه رطلاً ، إذا لم يُؤدِّ في الموعد المحدد ، وفعلاً جاء موعد السداد ، ولم يَف المدين ، فرفع اليهودي أمره إلى القاضي وأخبره بشرطه - وكان القاضي مُوفَّقاً قد نوَّر الله بصيرته ، فقال لليهودي: نعم لك حَقٌ في أن تُنفذ ما اتفقنا عليه ، وسأعطيك السكين على أنْ تأخذ من المدين رطلاً من لحمه في ضربة واحدة ، بشرط إذا زدتَ عنها أو نقصتَ أخذناه من لحمك .
وعندها انصرف اليهودي ؛ لأن المثلية لا يمكن أن تتحقق ، فكأن الله تعالى بهذا الشرط - شرط المثلية في الردِّ - يلفت انتباهك إلى أن العفو أوْلَى بك وأصلح .
إذن: يُحدِّثنا الحق - تبارك وتعالى - عن العفو وعن الإحسان في المصيبة التي لك فيها غريم ، ويبين لنا أنك إذا أخذتَ حقك الذي قرره لك فقد أرحتَ نفسك ، لكن حرمتها الأجر الذي تكفَّل الله لك به إنْ أنت عفوتَ .
وكأن الحق - تبارك وتعالى - يريد أنْ يولد من أسباب البغضاء أسباباً للولاء ، فالذي كان من حقك أنْ تقتله ثم عفوتَ عنه أصبحت حياته مِلْكاً لك ، فهل يفكر لك في سوء بعدها؟
لذلك يُعلِّمنا ربنا: {ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34]