إذن: لا يكون التغيير بالقلب إلا إذا أحسَّ صاحب المنكر أنه في عزلة ، فلا تهنئه في فرح ، ولا تعزيه في حزن ، وإنْ كنتَ صاحب تجارة ، فلا تَبِعْ له ولا تشتر منه .. الخ .
وما استشرى الباطل وتَبجح أهل الفساد وأهل المنكر إلا لأن الناس يحترمونهم ويعاملونهم على هذه الحال ، بل ربما زاد احترام الناس لهم خوفاً من باطلهم ومن ظلمهم .
فالتغيير بالقلب ليس كلمة تقال إنما فعل وموقف ، وقد علَّمنا ربنا - تبارك وتعالى - هذه القضية في قوله سبحانه: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكتاب أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ الله يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ الله جَامِعُ المنافقين والكافرين فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} [النساء: 140]
ويقول سبحانه في آية أخرى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى مَعَ القوم الظالمين} [الأنعام: 68]
والنبي صلى الله عليه وسلم في قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا بغير عذر في غزوة تبوك ، يُعلِّمنا كيف نعزل أصحاب المنكر ، لا بأن نعزلهم في زنزانة كما نفعل الآن ، إنما بأن نعزل المجتمع عنهم ، ليس المجتمع العام فحسب ، بل عن المجتمع الخاص ، وعن أقرب الناس إليه .