والظاهر إن ما في الآية من الثاني ، وتكلف بعضهم جعل من فيها للتبعيض ، وادعى آخر كونها زائدة في الإثبات ، وكانت العرب تفتخر بجهارة الصوت وتمدح به في الجاهلية ومنه ، قول الشاعر:
جهير الكلام جهير العطاس...
جهير الرواء جهير النعم
ويخطو على العم خطو الظليم...
ويعلو الرجال بخلق عمم
والحكمة في غض الصوت المأمور به أنه أوفر للمتكلم وأبسط لنفس السامع وفهمه {إِنَّ أَنكَرَ الاصوات} أي أقبحها يقال وجه منكر أي قبيح قال في"البحر": وهو أفعل بني من فعل المفعول كقولهم: أشغل من ذات النحيين وبناؤه من ذلك شاذ ، وقال بعض: أي أصعبها على السمع وأوحشها من نكر بالضم نكارة ومنه {يَوْمَ يَدْعُو الداع إلى شَيْء نُّكُرٍ} [القمر: 6] أي أمر صعب لا يعرف ، والمراد بالأصوات أصوات الحيوانات أي إن أنكر أصوات الحيوانات {لَصَوْتُ الحمير} جمع حمار كما صرح به أهل اللغة ولم يخالف فيه غير السهيلي قال: أنه فعيل اسم جمع كالعبيد وقد يطلق على اسم الجمع الجمع عند اللغويين ، والجملة تعليل للأمر بالغض على أبلغ وجه وآكده حيث شبه الرافعون أصواتهمب الحمير وهم مثل في الذم البليغ والتشمية ومثلت أصواتهم بالنهاق الذي أوله زفير وآخره شهيق ثم أخلي الكلام من لفظ التشبيه وأخرج مخرج الاستعارة ، وفي ذلك من المبالغة في الذم والتهجين والإفراط في التثبيط عن رفع الصوت والترغيب عنه ما فيه ، وإفراد الصوت مع جمع ما أضيف هو إليه للإشارة إلى قوة تشابه أصوات الحمير حتى كأنها صوت واحد هو أنكر الأصوات ، وقال الزمخشري أن ذلك لما أن المراد ليس بيان حال صوت كل واحد من آحاد هذا الجنس حتى يجمع بل بيان صوت هذا الجنس من بين أصوات سائر الأجناس ، قيل: فعلى هذا كان المناسب لصوت الحمار بتوحيد المضاف إليه.
وأجيب بأن المقصود من الجمع التتميم والمبالغة في التنفير فإن الصوت إذا توافقت عليه الحمير كان أنكر.