وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)
فيه ست مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {واقصد فِي مَشْيِكَ} لما نهاه عن الخُلُق الذميم رسم له الخُلقَ الكريم الذي ينبغي أن يستعمله فقال:"وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ"أي توسّط فيه.
والقصد: ما بين الإسراع والبطء ؛ أي لا تَدِبّ دبيب المُتَمَاوتين ولا تَثب وثب الشطار ؛ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن"فأما ما روي عنه عليه السلام أنه كان إذا مشى أسرع ، وقول عائشة في عمر رضي الله عنهما: كان إذا مشى أسرع فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن دبيب المتماوت ؛ والله أعلم.
وقد مدح الله سبحانه مَن هذه صفته حسبما تقدّم بيانه في"الفرقان".
الثانية: قوله تعالى: {واغضض مِن صَوْتِكَ} أي انقص منه ؛ أي لا تتكلف رفع الصوت وخذ منه ما تحتاج إليه ؛ فإن الجهر بأكثر من الحاجة تكلّف يؤذي.
والمراد بذلك كله التواضع ؛ وقد قال عمر لمؤذّن تكلّف رفع الأذان بأكثر من طاقته: لقد خشيت أن ينشق مُرَيْطَاؤك! والمؤذّن هو أبو محذورة سَمُرة بن مِعْيَر.
والمُرَيْطاء: ما بين السرة إلى العانة.
الثالثة: قوله تعالى: {إِنَّ أَنكَرَ الأصوات لَصَوْتُ الحمير} أي أقبحها وأوحشها ؛ ومنه أتانا بوجه منكر.
والحمار مَثَل في الذم البليغ والشتيمة ، وكذلك نُهاقه ؛ ومن استفحاشهم لذكره مجرداً أنهم يكنون عنه ويرغبون عن التصريح فيقولون: الطويل الأذنين ؛ كما يكنى عن الأشياء المستقذرة.
وقد عُدَّ في مساوئ الآداب أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم من أولي المروءة.
ومن العرب من لا يركب الحمار استنكافاً وإن بلغت منه الرُّجْلة.
وكان عليه الصلاة والسلام يركبه تواضعاً وتذللاً لله تبارك وتعالى.
الرابعة: في الآية دليل على تعريف قبح رفع الصوت في المخاطبة والمُلاحاة بقبح أصوات الحمير ؛ لأنها عالية.