ويحتمل إن يريد أن ذلك من مكارم الأخلاق وعزائم أهل الحَزم السالكين طريق النجاة.
وقول ابن جريج أصوب.
وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18)
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وابن مُحَيْصِن:"تصاعر"بالألف بعد الصاد.
وقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر والحسن ومجاهد:"تُصَعّر"وقرأ الجحدرِي:"تُصْعر"بسكون الصاد ؛ والمعنى متقارب.
والصَّعَر: الميل ؛ ومنه قول الأعرابي: وقد أقام الدهر صعرى ، بعد أن أقمت صعره.
ومنه قول عمرو بن حُنَيّ التّغلبي:
وكنا إذا الجبّار صَعّر خدّه ...
أقمنا له من مَيْله فَتقوَّمِ
وأنشده الطبري:"فتقوّمَا".
قال ابن عطية: وهو خطأ ؛ لأن قافية الشعر مخفوضة.
وفي بيت آخر:
أقمنا له من خدّه المتصعر ...
قال الهروي:"ولا تصاعر"أي لا تعرِض عنهم تكبّراً عليهم ؛ يقال: أصاب البعيرَ صَعَرٌ وصَيَد إذ أصابه داء يَلْوِي منه عنقه.
ثم يقال للمتكبّر: فيه صَعَر وصَيَد ؛ فمعنى:"لاَ تُصَعِّر"أي لا تلزم خدّك الصَّعَر.
وفي الحديث:"يأتي على الناس زمان ليس فيهم إلا أَصْعَرُ أو أبتر"والأصعر: المعرض بوجهه كبرا ؛ وأراد رُذالة الناس الذين لا دين لهم.
وفي الحديث:"كلّ صعّار ملعونٌ"أي كل ذي أبَّهة وكبر.
الثانية: معنى الآية: ولا تُمِل خدّك للناس كبراً عليهم وإعجاباً واحتقاراً لهم.
وهذا تأويل ابن عباس وجماعة.
وقيل: هو أن تلوِي شِدقك إذا ذكر الرجل عندك كأنك تحتقره ؛ فالمعنى: أقبل عليهم متواضعاً مؤنساً مستأنساً ، وإذا حدّثك أصغرهم فاصغ إليه حتى يكمل حديثه.
وكذلك كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يفعل.