وقال السُّدّي: هي صخرة ليست في السماوات والأرض ، بل هي وراء سبع أَرَضين عليها مَلَك قائم ؛ لأنه قال: {أَوْ فِي السماوات أَوْ فِي الأرض} وفيهما غُنْية عن قوله: {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ} ؛ وهذا الذي قاله ممكن ، ويمكن أن يقال: قوله: {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ} تأكيد ؛ كقوله: {اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ * خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَق} [العلق: 1 2] ، وقوله: {سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً} [الإسراء: 1] .
يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17)
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {يا بني أَقِمِ الصلاة} وصّى ابنه بعُظْم الطاعات وهي الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهذا إنما يريد به بعد أن يمتثل ذلك هو في نفسه ويزدجر عن المنكر ، وهنا هي الطاعات والفضائل أجمع.
ولقد أحسن من قال:
وابدأ بنفسك فانهها عن غَيّها ...
فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
في أبيات تقدّم في"البقرة"ذكرها.
الثانية: قوله تعالى: {واصبر على مَآ أَصَابَكَ} يقتضي حضًّا على تغيير المنكر وإن نالك ضرر ؛ فهو إشعار بأن المغيِّر يؤذَى أحياناً ؛ وهذا القدر على جهة الندب والقوّة في ذات الله ؛ وأما على اللزوم فلا ، وقد مضى الكلام في هذا مستوفًى في"آل عمران والمائدة".
وقيل: أمره بالصبر على شدائد الدنيا كالأمراض وغيرها ، وألا يخرج من الجزع إلى معصية الله عز وجل ؛ وهذا قول حسن لأنه يعمّ.
الثالثة: قوله تعالى: {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور} قال ابن عباس: من حقيقة الإيمان الصبرُ على المكاره.
وقيل: إن إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من عزم الأمور ؛ أي مما عزمه الله وأمر به ؛ قاله ابن جريج.