يناسب هنا وإن أمكن استخراجه من كلامهم بطَريق التلويح والتلميح، كما أشار إليه
الْمُصَنّف فيما سيأتي بقوله لا تقتضي الْحكْمَة إيجاده فضلًا عن استخلافه ولدقة هذا
الاعتبار اختار الشيخان كون الجعل هنا بمعنى التصيير حيث قال تعجب من أن
يستخلف الخ. ولم يقل تعجب من خلقهم أولًا وثانيًا؛ إذ صرف التعجب إلَى جعل
المفسد في الْأَرْض مع قطع النظر عن كونه خَليفَة ليس بسديد. أما أولا فلأن الْحكْمَة في
الخلق كونها إصلاح الْأَرْض مما يشوش المعاش. قال الْمُصَنّف في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:
(وَمنْ ذُرّيَّتنَا أُمَّةً مُسْلمَةً لَكَ) وخصا بعضهم لما علما أن الْحكْمَة
الْإلَهيَّة لا تقتضي الاتفاق عَلَى الْإخْلَاص والإقبال الكلي عَلَى الله تَعَالَى فإنه مما يشوش
المعاش انتهى. ولا ريب أن الْمُرَاد بإصلاحها هنا إقبال كلي والْمَلَائكَة الكرام غير
غافلين عن ذلك، وأما ثانيًا فلأنهم شاهدوا خلق من يفسد فيها وهم الجن فَكَيْفَ يظن
أنهم صرفوا التعجب إلَى خلق المفسد مع قطع النظر عن كونه خَليفَة.
قوله: (أو يستخلف) هذا ناظر إلَى كونه خَليفَة من سكن قبله وهم إبليس مع
الْمَلَائكَة والقرينة قوله (مكان أهل الطاعة) فلا يَنْبَغي أن يراد الجن لأنهم (أهل المعصية)
يدل عليه قوله فيما سلف فأفسدوا فيها فبعث اللَّه تَعَالَى الخ. كما أن قوله من أن يستخلف
لعمارة الْأَرْض إشَارَة إلَى كونه خَليفَة اللَّه تَعَالَى وجه التقديم ظَاهر مما تقدم.
قوله: (واستكشاف مما خفي عليهم من الْحكْمَة) بيان حاصل الْمَعْنَى. وكذا قوله
واستخبار؛ إذ التعجب يستلزم ذلك، وليس هذا إشَارَة إلَى كون الاسْتفْهَام عَلَى حقيقته إذ
الْمَعْنَى الحقيقي لا يتصور هنا ولهذا حمل عَلَى التعجب لمناسبته للمقام، أَلَا [تَرَى] أن
الاستكشاف ليس عن الجعل بل عن الْحكْمَة، وكذا الاستخبار ليس عن الجعل الْمَذْكُور لأنه
معلوم بإخباره تَعَالَى بل عَمَّا يرشدهم الخ.
قوله: (التي بهرت) أي غلبت تلك الْحكْمَة (تلك المفاسد وألغتها) من الإلغاء
والمحو فيَعْلَمُونَ أن في جعله خَليفَة خيرًا كثيرًا وإن تضمن الشر الجزئي، ومثل هذا
الاستكشاف والاستخبار أمر في غاية الحسن والبهاء وبهذا أَشَارَ إلَى الرد عَلَى الحشوية
حيث استدلوا بهذه القصة عَلَى عدم عصمة الْمَلَائكَة وسيجيء التَّفْصيل(واستخبار عما
يرشدهم ويزيح شبهتهم كسؤال المتعلم معلمه عَمَّا يختلج في صدره).
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: واستكشاف عَمَّا خفي عليهم من الْحكْمَة واستخبار عَمَّا يرشدهم. أقول: الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ
أو بدل الواو لأن الواو جمعه مع الْمَعْطُوف عليه فيلزم الجمع بين الْحَقيقَة والْمَجَاز في حرف
الاسْتفْهَام فإنه في التعجب مجاز، وفي الاستكشاف والاستخبار حَقيقَة.